لنستلهم من سيارات الأجرة!! (تدوينة)

ثلاثاء, 01/30/2018 - 16:32

إذا كنت مثلي ، ويساورك القلق الشديد حول وحدتنا الوطنية ، وسعي البعض إلى فكّ ارتباطها ، وزعزعة سمْتها ، فإني أنصحك بمغادرة عالم " مارك" ، والنزول إلى الشارع لتتبينَّ واقع وحقيقة هذه الوحدة ، وسفَه كل ما يُشاع حولها من عظائم الأمور ، والبون الشاسع بين الواقع والخيال...
أنصحك إذن ، بترك سيارتك في المنزل ، وأن تُكمل مشاوير يومك ،وتنقلاتك في سيارة الأجرة....
وأنت حر في اختيار خط النقل الذي يروق لك ، مابين الخطوط التالية:
كابيتال - الرياض
البصرة -bmd
مسجد المغرب - الميناء والسبخة..
في كل خط تأخذه من هذه الخطوط ،ستكتشف مايلي ، أن الشعب الموريتاني " عجينة" عرقية ، متداخلة ،ومتشابكة ، ولا انفصام فيها ، ودليل ذلك قدرة هذا الشعب على تحدي كل الإكراهات ،وكل الظروف الحياتية ليبقى جسدا واحدا ، بحيث استطاع أن " يقهر" سيارة صغيرة الحجم من نوع رينو ، و مرسيدس 190، وبيجو 405، على أن تحتضن في هيكلها الخرب سبعة أشخاص وثمانية أحيانا ، وهي المصممة أصلا على أربعة أو خمسة على أقصى تقدير...
هنا في هيكل هذه السيارة ، ستقف بنفسك على مدى" تلاحم" مكونات هذا المجتمع ، وسترى بأم عينك جميع أعراق هذا البلد منصهرة في بوتقة واحدة ، بل ،ومتعانقة ، و" ومتذارعة" بحكم ضرورة "الإعتدال" والاستقامة وسط هيكل السيارة ،وبحكم " إختلاف" أضلع المسافرين....المصرين على أن يصلوا إلى وجهتهم ، مهما كان الثمن في سبيل ذلك...
في سيارة الأجرة ، ستجد السائق ، من مختلف الأعراق ، يفسح في حِجره ليجلس فيه أخوه أو أخته من الأعراق الأخرى ، برحابة صدر ، وإتساع الساقين !!
المهم أن لا يتركك على قارعة الطريق تنتظر !
وسيهجِّي الحروف والكلمات والجمل حتى يفهم وجهتك ، وربما ،يتعرف على قبيلتك ،وعلى مدينتك ،وأهلك...وربما وربما....
في سيلرة الأجرة ، يأخذ الراكب في المقاعد الخلفية ، إبن الراكبة في المقاعد الأمامية " المعجونة" بين السائق ،وصديقتها.... ويحتضن بحب هذا الولد الصغير ، ويعامله كإبنه ، ويهجي معه الحروف ، ليلاطفه ، ويجامله في انتظار ،أن يرفع السائق رجله عن رجلها ،وتصل وجهتها....!!!
في سيارة الأجرة تجد الشعب الموريتاني على فطرته ،وعلى عفويته وتلقائيته ، الكل يتبادل الأنفاس ،في ركن ضيق ، ويمسج عن وجهة رذاذ ريق مخاطبه وخليله من العرق الآخر الذي ،يخيل إليك أنه صديق العمر ،من شدة التآلف والانسجام ،والمودة...
وعلى طول ،المسار ،ينزل المسافر ، ليخلفه آخر ، سيحل مباشرة فوق فخذك ، ويكمل تحيته الطيبة ،ويسألك عن الأسعار ،والصفر المحذوف ، والمجالس البلدية ، وكل هذا وهو جاثم فوق فخذك الذي يكاد يئنُ من الألم ولا تملك ،بحكم أخلاقك ،إلا أن تتململ ،فيُحس ،بأنه ،" واقع" عليك ،فيقول لك ، أتمنى أن لا أكون قد أزعجتك !!بابتسامة مشوبة بالتحسر ،فتتمنى لو لم تكن قد تحركت أصلا...من فرط أخلاق هذا الشخص ، وتأسفه ،وطيبته !!!
في سيارة الأجرة ،انت في بيتك، وفي سربك!!!
تناقش مع المسافرين شؤون الساعة ، وقضايا البلد المصيرية ،والانتخابات والاجور ، والتخطيط الترابي ، وصفقات الشيخ الرضى في المجال العقاري ،والحيواني ، والميكانيكي ( السيارات)...
المواضيع ،مفتوحة ، والكل يدلي بدلوه ،ويفصح عن وجهة نظره بحرية واحترام ، وقل أن ينزل راكب إلا 
،وقد أخذ أرقام هواتف جميع الركاب ،أو بعضهم ، من شدة الحميمية التي جمعتهم خلال السفر، ودفع أجرة النقل عن البعض ، ولا يتمعَّر وجهه أبدا ، من تقيُّىء طفل الراكبة الأمامية من العرق الآخر، على ثوبه النظيف....!!
هكذا هو المجتمع الموريتاني حقيقةَ ، وهكذا يجب أن يظل ويبقى في وجه كل الدعايات المنتشرة...
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هو كيف نتعايش ، و نتقابل الأنفاس ، ويتبلل كل منا بعرق الآخر ،في حوض سيارة ، في سبيل الوصول إلى وجهتنا القريبة ، ولا نستلهم نفس روح التعايش والإنسجام ، للوصول الوجهة البعيدة ، وإلى مستقبل أكثر ازدهارا!؟؟

من صفحة الإعلامي أحمدو اندهمر على الفيسبوك