مع عالِم (تدوينة)

أحد, 01/28/2018 - 08:56

تسع وتسعون دقيقة دون طرفة عين، فرصة هيأها لي الزمان مع نادرة زمانه، عالم الإنسانيات وجهبذ التاريخ البروفيسور عبد الودود ولد الشيخ.
كنت صحبة إخوة كرام يصغرونني سنا ويكبرونني عقولا، أحمد ولد آدب Ahmed Jedou وأحمد ولد محمد ولد هارون ويعقوب ولد عبدالله ولد اباه ومهندس الجلسة اباه ولد موسى Brahim Ould Moussa
رغم أني أشترك مع العالم عبد الودود في السبطية للشيخ سيديا باب فجدته العالمة الحافظة أم العلماء الشيخة ميمونة ابنة الإمام المجدد الشيخ سيديا باب التي كان يلقبها "الصويلحه" لما رأى فيها من الصلاح لكني لم أحظ من قبل بمشافهته.
تابعت عدة محاضرات للرجل بلغة فرنسية محلّقة-على عفويتها- أعرف منها وأنكر، وقرأت له كتبا أو على الأصح هوامش على رسائل دكتوراه وبحوث، ومقدمات أخرى.
يهتم بآنتوبولوجيا المجال الصحراوي الحساني ويقيم منذ عقدين من الزمن في باريس.
عبد الودود كما سمعت له وسمعت عنه هو هو، شَعرٌ مهمل في ظاهره وممشط بعناية فائقة، محدث لبق؛ حسانيته العبقة تتنفس أصالة وبلاغة. وأناقته وظرافته تجعل سدنة الفنون الجميلة يجيزون أن وراء كل اعوجاج رونقا.
حين يتحدث عن استشارات مدفوعة الأجر يقيمها من حين لآخر تراه اجترح لها كلمة "اتبوتيگ" من كلمة البوتيگ فرنسية الأصل التي تعني المتجر.
نادم على أن ما يطلق عليه محو الأمية الفرنسي لم يترك له مجالا للتضلع من العلوم العربية الإسلامية التي وإن كان انتهج للغوص فيها طريق الاستشراق بجدارة، لكنه يرى أنه كان بإمكانه اختصار الطريق لها.
تحدثنا عن المرأة في مجتمعنا وعن الفن والإشكال العمراني والمعماري والتاريخاني ومسألة مخلفات الرق.
يرى أن تطورا كبيرا حصل عبر المدرسة ألقى بظلاله على ظروف المرأة وأحفاد العبيد السابقين في المجتمع. ويرى أن أسفار ابن بطوطة مبالغ فيها في بعديها الزماني والمكاني وأن ابن خلدون جريء وذكي.
ويعتبر أن الكتابة بلغة الآخر تسهل التدوين وتجعل الكاتب حرا، حنينه الظاهر إلى مراتع الصبا جعله يستسلم للحنين لديار الأهل في آوكار ويزورها عنوة.
ليس بينه وبين كبار العوام مثلي أية أسلاك شائكة أو غير شائكة، ويعتبر أن القطيعة الابستيمولوجية ضرورية لتمييز الخبيث من الطيب في رحلة غربلة الموروث.
يكره الصخب ويميل إلى التشاؤم هربا من المجاز في مجال البحث.
يعتبر أن الإدارة في عهد الدولة الوطنية لم تكن تتوقع الجفاف في بداية السبعينيات ولم تعد بعد قادرة على تجاوز آثاره؛ مما أدخل المدن الموريتانية غير المعدة لموجات النزوح في خصاصة مستدامة.
البروفيسور عبد الودود يستنطق سدوم ولد انچرتو لأسباب بحثية، ويحرص على أن النزاهة العلمية للمكتوب جزء من عملية الكتابة.
متواضع حد التصوف ويصنف نفسه في عداد المتقاعدين وكبار السن. استدلالاته قوية ولديه سحر في فواصل الكلم والسير وفق سقف محدثه بدهاء.
يجامل بحياء ويجيب بأمانة. لا تفارقه دعابة "أهل لخيام" وبساطة العلماء.
يرى أن المثقف الحيادي مثالي وأن نظافة اليد واللسان تعني انعدام التعالق بين المثقف وقومه.
حين يستدعي أحد الكتاب والمفكرين معاصريه أو سابقيه، تراه يضمن أحاديثه بوقار وتبنٍّ وكأنه قال ماقال بطلب منه.
يوشك أن ينسيك بلهجته الحسانية الباذخة تلك الطلاقة والفصاحة التي يكتب بها ويتكلم بها في محاضراته باللغة الفرنسية.
أعتبر أن النزهة في عقل القارئ النهم والمحدث الملهم والمفكر العظيم عبد الودود ولد الشيخ ولد احمد محمود -حفظه الله- منة لذيذة.
ليتهم جعلوه يبقى معنا فنفخر به عن قرب ونتعلم منه عن قرب. فمالنا نستدعي لاعبي كرة القدم الذين اصطفاهم الآخرون ولا نبكي ونستبكي جهابذة البحث والتنوير الذين تدللهم مراكز البحث لديهم، ويمرون علينا مرالسحاب؟

من صفحة الكاتب الخبير فى شؤون غرب افريقيا الإعلامي إسماعيل يعقوب الشيخ سيديا