السينما في موريتانيا: ابنة الجنّ/ محمد ولد إدومو

خميس, 01/11/2018 - 12:24
مشهد من فيلم «تمبكتو»

علاقة مرتبكة بين تقاليد مجتمع بدوي وتجليّات الفن المتمدن

السينما في موريتانيا: ابنة الجنّ

حبس الموريتانيون أنفاسهم، واتجهت أعينهم عن بكرة أبيهم إلى الشاشات الصغيرة، لمتابعة حفل جوائز الأوسكار 2015. ربما هي المرة الأولى التي يهتم فيها الموريتانيون إلى هذه الدرجة بخبر ثقافي فني؛ حين كان المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو ينافس على جائزة أحسن فيلم من خارج هوليوود، عن فيلمه «تمبكتو»، بعد أن وصل إلى اللائحة القصيرة لترشيحات أوسكار من بين أفضل خمسة أفلام من أصل 83 عملًا سينمائياً كانت مرشحة في الأصل لنيل هذه الجائزة العالمية المعتبرة.

على الرغم من أن الفيلم لم يفز في النهاية بالجائزة المنشودة، إلا أن هذا الترشيح أبان وجهاً آخر من علاقة الموريتانيين بالفن السابع، تلك العلاقة التي بدأت سيئة، ثم ساءت أكثر ثم تحسنت قليلاً وساءت مجدداً.. إنها علاقة مجتمع محافظ مع فن وافد سيئ السمعة في نظره.

مركبة الجن

يحكي المسنّون أنه في بداية حقبة الخمسينيات ونهاية الأربعينيات من القرن الماضي، كان المستعمر الفرنسي يرسل سيارة تجوب مستعمراته، مجهّزة بآلات العرض السينمائي لتعرض ما يريد الفرنسيون من خلاله استعادة بعض من هيبتهم في نفوس سكان المستعمرات، بعد أن هزّت نتائج الحرب العالمية الثانية أركانها.. وعندما وصلت السيارة التي تعرض صوراً متحركة على شاشة بيضاء كبيرة، لم يجد البدو الموريتانيون أي تفسير لهذه الظاهرة التي تحدث أمام أعينهم إلا في إطار عالم الجن، فأوجسوا منها خيفة وأطلقوا عليها»وتة أهل لخل» (أي مركبة الجن)، فكانت العلاقة الأولى بين الموريتانيين والشاشة الكبيرة هي علاقة مرتبكة وغير واضحة المعالم ويقودها الجن والماورائيات منذ البداية.

ولما نالت موريتانيا استقلالها نوفمبر 1960 كان غوميز، وهو فرنسي أقام في موريتانيا هو وإخوته وواصلوا العيش فيها بعد الاستقلال، هو أول من استثمر في السينما، حيث افتتح دارين للعرض السينمائي في نواكشوط وأخريات في المدن الداخلية. كأنه يعطي بذلك امتداداً للعلاقة السيئة بين الموريتانيين والسينما؛ حيث اعتبرها أغلبهم مواصلة للحضور الفرنسي في موريتانيا، وتعاملوا معها على أنها فن وافد يجب الحذر منه. ما عدا قلّة قليلة من الموريتانيين الذين درسوا خارج البلاد؛ فإن دور العرض هذه ظلت خاوية لسنوات، إلا من الفرنسيين والأجانب المقيمين في نواكشوط، المدينة الوليدة آنئذ.

سنوات قليلة بعد ذلك حدث التغيير الجذري في علاقة الموريتانيين والشاشة الكبيرة، حينما قرر الشاعر ورجل الأعمال همام افال، أن يستثمر في المجال السينمائي، فاشترى من غوميز دور العرض التي يملكها، وبنى ورمم واشترى عدداً كبيراً من دور العرض السينمائي، بلغ عددها إحدى عشرة داراً في العاصمة نواكشوط، المدينة الصغيرة جداً في ذلك الوقت والتي لا يتجاوز عدد سكانها 400 ألف نسمة. كما أنتج همام فال ثلاثة أفلام طويلة (ربما من الحيف أن نطلق عليها أفلاما على الأقل من المنظور النقدي البحث) هي: «تيرجيت» و»ميمونه» و»بدوي في الحضر»، من تصوير وإخراج الراحل محمد ولد السالك... وقد لاقت هذه الأفلام على بساطتها تجاوباً كبيراً، وبدأت قاعات السينما تستقطب الجمهور سواء لمشاهدة الأفلام الموريتانية أو لمشاهدة الأفلام العربية والأجنبية الأخرى، خصوصا الهندية والأميركية والصينية. وكان رئيس الجمهورية وحرمه ووزراؤه من بين جمهور هذه القاعات أسبوعياً مما أعطاها زخماً شعبياً، حتى غدت زيارة قاعة السينما في عطلة نهاية الأسبوع طقساً عائلياً حتى نهاية السبعينات وبداية مسلسل الانقلابات العسكرية في البلد.

عقليات وعادات

 

إذا استثنينا علاقة السينما بالمستعمر الذي يمكن أن يكون أحد الأسباب الأكثر قابلية لتفسير موقف الموريتانيين من الفن السابع، فإن الحديث عن العقليات التي تقف حاجزاً أمام أغلب الفنون الجميلة من مسرح ورقص وفن تشكيلي ونحت فضلاً عن السينما؛ هذه العقليات التي تنبني في مجملها على فكرة أن من رسم رسماً أو نحت نحتاً سيطالب يوم القيامة أن ينفخ الروح فيه.. ولما كانت المهمة تبدو مستحيلة دون الحاجة إلى كثير من التفكير، يمكننا أن نفهم كيف ظلت العقلية الموريتانية ترفض جملة وتفصيلاً كل ما يحيل إلى الصورة من قريب أو بعيد.

 

وقوع الصورة هنا في شرك التديّن صاحَبَه أيضاً نظرة دونية لكل من يمارس التمثيل كفن، سواء على خشبة المسرح أو من خلال السينما أو التمثيليات والاسكتشات التلفزيونية. ليس من المنظور التديني هذه المرة بل من المنظور الاجتماعي. حيث اعتقد الموريتانيون فترة من الزمن أن من يمارس التمثيل هو في قاع تراتبية المجتمع.

زيادة على ذلك، هناك بعد ثالث يتحكم بقوة في علاقة الموريتانيين بالسينما؛ هذا البعد هو البداوة. البداوة وثقافة الترحال وعدم الارتباط العضوي ولا العاطفي بالمكان يجعل المجتمع الموريتاني غير متصالح بالفطرة مع كل إمارات المدينة؛ ومعلوم أن السينما هي فن متمدن؛ لذلك لم يصادف هوى في نفس البدوي الذي يحن إلى الترحال ويطرب للموسيقى والشعر ويجد مشكلة في الجلوس ساعتين على مقعد في قاعة مغلقة مظلمة.

وفي الأمر مفارقة عجيبة يجب أن نشير إليها، فمنذ بدأ التلفزيون يدخل البيوت الموريتانية طبع الموريتانيون علاقات وطيدة مع الشاشة الصغيرة؛ حتى غدت أجهزة التلفزيون جزءاً من الصخب الطبيعي لأي منزل موريتاني، تبدأ بثها منذ يفتح سكان البيت عيونهم صباحاً، تشاركهم كل تفاصيل يومهم وتظل الصوت الأكثر طغياناً من بين كل الأصوات، وأحياناً تواصل أياماً بلياليها دون أن يغمض لها جفن أو يسكن لها صوت؛ فالموريتانيون إذن يستهلكون الصورة التلفزيونية بشكل لافت، ولكنهم في المقابل وقفوا بالمرصاد أمام مد الشاشة الكبيرة.

أسماء أولى

عند الحديث عن السينما يجدر بنا إلقاء نظرة على السينمائيين، وبالتأكيد سيبرز اسم محمد ولد السالك، وهو أول موريتاني يدرس التصوير (الفوتوغرافي والسينمائي)، حيث ابتعثته الدولة الموريتانية فور تأسيسها إلى ألمانيا من أجل استكمال دراسته في هذا المجال. وعاد ليتولى تغطية النشاطات الحكومية وتوزيعها على وسائل الإعلام قبل تأسيس التلفزيون الوطني أوائل الثمانينات. كما أن همام افال انتدبه لتصوير وإخراج أولى ما يمكن أن يطلق عليه التجارب السينمائية الموريتانية في ثلاثيته سابقة الذكر. وقد رحل محمد ولد السالك عن دنيانا في تحطم الطائرة الرئاسية الموريتانية التي كانت تقله رفقة الوزير الأول الموريتاني أحمد ولد بوسيف، ووفد حكومي وعسكري شهر مايو، سنة 1979، قريباً من العاصمة السينغالية داكار.

من الضروري أيضاً ذكر محمد هندو المعروف بمد أوندو، الذي عمل طباخاً مع الفرنسيين في مدينة أطار، وبعد الاستقلال هاجر إلى الديار الفرنسية واشتغل في باريس نادلاً حيناً وحمالاً حيناً آخر، قبل أن تغلبه ملكته الفنية، وتحمله إلى خشبة المسرح الفرنسي ممثلاً من الدرجة الثانية، ليكتشف كم العنصرية التي جُوبِهَ بها على المسارح الفرنسية، لكونه ممثلاً أسود البشرة؛ فاختار تغيير المسار في اتجاه طريق الفن السابع الأقل عنصرية آنئذ. درس السينما على نفقته الخاصة، حيث كان يعمل مساعد طباخ في الليل وطالباً في النهار؛ وقد حاول في بداية مشواره السينمائي إخراج أفلام متوسطة بمجهود شخصي عالجت في أغلبها مواضيع الهجرة والعنصرية والتمييز، ومشاكل القارة الإفريقية، ومن أشهر أفلامه فيلمه الأول «جولة في المنابع» 1967، وهي قصة أفريقي أسود هاجر إلى فرنسا، لكنه قرر طواعية العودة إلى وطنه، فدفع ضريبة هذا القرار باهظاً.

محمد هندو الآن يعيش في العاصمة الفرنسية باريس، وهو الصوت الفرنسي للنجم الأميركي أدي مرفي، حيث يدبلج كل أفلامه إلى اللغة الفرنسية.

والمخرج سيدني سوخنا الذي غادر هو الآخر إلى فرنسا في نفس الفترة مع محمد هندو. الفرق الوحيد أن سوخنا هاجر من أجل الدراسة، مبتعثاً من طرف الحكومة الموريتانية الوليدة وقد تخصص في السينما وأخرج باكورة أعماله «الجنسيات المهاجرة» 1975، الذي نال عنه جائزة لجنة التحكيم في فيسباكو سنة 1977 وفيلمه الثاني «سافرانا» 1978. بعد ذلك عاد سوخنا من منفاه الاختياري إلى أرض الوطن، لكنه تخلى عن الشاشة الكبيرة وترك الحلم السينمائي خلف ظهره هناك في فرنسا، متفرغاً للعمل الحكومي والسياسي، وهكذا تقلد عدة مناصب دبلوماسية، وحقائب وزارية وبين هذا وذاك انتخب نائباً في البرلمان الموريتاني.

أمة لوحده

لم يكن يخطر في بال ذلك الفتى الموريتاني، عبد الرحمن سيساكو، الذي عاش طفولته في العاصمة المالية باماكو، قبل العودة لبلاده قبل أن يبلغ العشرين قليلاً؛ والحاصل لتوه على شهادة الباكولوريا في الأدب الفرنسي، والذي يفكر كثيراً في ثنائية الهوية والانتماء ويحاول الاندماج ما أمكنه ذلك في مجتمع ينتمي إليه ولا ينتمي إليه في نفس الوقت؛ لم يكن يخطر في باله وهو يلج بوابة المركز الثقافي الروسي بنواكشوط صيف سنة 1981 أن قدره مرسوم على شريط سينمائي.. عندما فاتحه صديقه، مدير المركز الثقافي الروسي بوجود منحة إلى معهد «فكيك» الشهير لدراسة السينما، حاول ألا يبدي خيبة أمله؛ صحيح أنه يريد السفر من أجل الدراسة ولكن السينما لم تكن على قائمة اهتماماته الأولى ولكنه سافر؛ ليصبح سيساكو بعد تخرجه سنة 1988 ظاهرة سينمائية بكل المقاييس، نال أرفع الأوسمة والنياشين وفاز بأكبر الألقاب في مختلف التظاهرات السينمائية.

أخرج سيساكو عشرات الأفلام الطويلة والقصيرة، ومن أشهر أفلامه:

ـ فيلم «الحياة على الأرض» 2000، وهو فيلم يحكي كيف عاشت قرية إفريقية نائية لحظة نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين كأي يوم عادي، بينما كان العالم المتحضر يعيش خوفاً وتوتراً كبيراً.

ـ فيلم «في انتظار السعادة» 2002، ويحكي السيرة الذاتية الشخصية للمخرج موزعة على عدة أبطال، ويناقش أيضاً مواضيع التواصل في مفهومه الواسع من خلال الشاب عبدالله الذي تربى بعيداً عن وطنه، وجاء في زيارة يكتشف على إثرها صعوبة التواصل مع مجتمعه نظراً لحاجز اللغة، فيقرر السفر الذي يفشل فيه أيضاً، كما أن الفيلم طافح بالدلالات والإيحاءات والصور الشعرية التي تستنطق المنفى في مدلوليه الداخلي والخارجي. وقد حقق هذا الفيلم الذي تم تصويره في مدينة نواذيبو الأطلسية عديد الجوائز.

ـ فيلم»باماكو» 2006، الذي أقام الدنيا وأقعدها إذ عالج لأول مرة مشاكل الدول الإفريقية من خلال محاكمة صورية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، باستغلالهما الفظيع لاحتياج الدول الإفريقية إلى القروض.

ـ أما آخر أفلامه «تمبكتو» 2015، فقد أثار ضجة كبيرة وحصد في مرة واحدة سبع جوائز سيزار؛ وهو يحكي رؤية المخرج للتطرف الديني، من خلال مجموعة من القصص المتوازية تحدث في مدينة تمبكتو بعد سيطرة تنظيم القاعدة عليها وفرض قوانينهم الجديدة على السكان الأصليين.

كانت أفلام عبد الرحمن سيساكو حاضرة ونالت جوائز في أغلب المهرجانات السينمائية العالمية، من مهرجان كان إلى مهرجان دبي مرورا بمهرجانات برلين، أوسكار، البندقية، القاهرة، مراكش، فيسباكو، وقرطاج؛ كما كان هو نفسه رئيساً أو عضو لجان تحكيم في هذه المهرجانات.

يشغل عبد الرحمن سيساكو الآن منصب المستشار الثقافي للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، ويدير شركة إنتاج مقرها فرنسا تنتج أفلامه، كما تنتج لعديد المخرجين الأفارقة والآسيويين.

صحرا سينمائية

الآن يعيش في أوروبا أيضاً جيل من الشباب الموريتاني يحترف السينما، خصوصاً السينما الوثائقية، من أمثال الشيخ انجاي، كريم مسكه، جبريل جاو وعثمان دياكانا.. وجيل آخر من السينمائيين الشباب أغلبهم من الهواة يقيمون داخل البلد ويحاولون صناعة مشهد سينمائي محلي. وتقف مؤسسة دار السينمائيين كرقم صعب في معادلة السينما المحلية؛ إذ تقوم بأدوار التدريب والبث ومساعدة المخرجين المبتدئين في إنتاج أفلامهم.

وعموماً يمكن أن نتحدث غير محرجين عن صحراء سينمائية قاحلة في موريتانياً إذ لا توجد قاعة عرض سينمائية واحدة، ولا يوجد معهد واحد متخصص في السينما أو الفنون الجميلة عموماً، ولا يوجد حتى قطاع حكومي مكلف بالسينما..

وغاب القطاع الخاص أيضاً؛ فرجال الأعمال غير مهتمين البتة بالاستثمار في قطاعات الثقافة والفنون؛ فمن ناحية يبدو للوهلة الأولى أنه قطاع لا يوحي بالربح السهل؛ ومن ناحية أخرى تغيب روح المجازفة لدى أغلب من يملكون المال في البلد، وقديماً قيل رأس المال جبان؛ والجبن هنا تغذيه ثنائية العقليات من جهة وصعوبة تأسيس شيء من لا شيء من جهة أخرى.

محاولة التقاط صورة بانورامية للسينما في موريتانيا هي تجربة تنطوي على قدر كبير من السهولة إذا فكرنا فيها من زاوية تشكيل إطار الصورة نفسها، إذ أنه لا شيء كبير يذكر؛ قليل من التاريخ، بعض الإنجازات الفردية وأحلام كبيرة تستوطن أفكار السينمائيين الشباب.. ولكن هذه التجربة تطالها بعض الصعوبة والتعقيد إذا فكرنا من زاوية تحليل الواقع الغائم واستشراف الغد الضبابي؛ وتكون الصعوبة أكثر إذا فكرنا بشكل أعمق في هذه العلاقة المرتبكة فيما يتعلق بالصورة في ذهنية الموريتاني.

بلا أبطال

عبد الرحمن سيساكو، من مواليد مدينة «كيفة» الموريتانية، عام 1961.

لسيساكو العديد من الأفلام، أبرزها: «اللعبة»، إنتاج 1989 (مشروع تخرُج)، «أكتوبر»، إنتاج 1993، «الجمل والعصا المُترنحة»، إنتاج 1994، «صابريا»، إنتاج 1996، «من روستوف إلى لواندا»، إنتاج 1997 (وثائقي درامي)، «الحياة على الأرض»، إنتاج 1998، «في انتظار السعادة»، إنتاج 2002، «باماكو»، إنتاج 2006، «تمبكتو»، إنتاج 2014.

اختير سيساكو» عام 2015 رئيساً للجنة تحكيم الأفلام القصيرة، في مهرجان كان السينمائي.

يقول سيساكو عن شغفه بالسينما: «السينما تهمني لأنني أحب التحدث عن عالم بلا أبطال، السينما الأميركية مشغولة بصناعة البطل لكن وجهة نظري أن رجل الشارع العادي يمكن أن يكون أهم كثيراً من البطل».