منطقة الساحل والصحراء جذور التطرف ومفاعيل الأزمة

اثنين, 01/08/2018 - 16:03
الرائد سيدي محمد ولد حديد

(خاص +أخبار الساحل)   

   في تقرير مرفوع إلى مجلس الأمن في شهر مايو من عام 2013، حول مخاطر عدم معالجة المأزق متعددة الأبعاد الذي تشهده منطقة الساحل والصحراء خلال العقد الأخير، وردت الفقرة التالية:"قد يحول  [المأزق] القارة إلى أرض خصبة للمتطرفين ومنصة انطلاق لهجمات إرهابية واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم.".

وقد لخص أحد الباحثين أبعاد هذه المأزق قائلا:" ساعد الفراغ الجغرافي على دخول الحركات الجهادية، وسهل مرور منظمات الجريمة المنظمة وتناميها، كما ساعد الفساد المالي والإداري هذه المنظمات على التركز وممارسة نشاطها، وأوجد الحاضنة الاجتماعية لتوطنها، وخلق البيئة النفسية والسياسية للصراعات العرقية والحروب الأهلية...".

  تقع منطقة الساحل والصحراء ضمن فضاء جغرافي يمتد على مدى سبعة آلاف كيلومتر من الحدود الشمالية الشرقية لموريتانيا إلى القرن الإفريقي، و"يعج بالفقر والاتجار غير المشروع والحرب والإرهاب والاضطرابات العرقية"، وهي خصائص دفعت بعض الباحثين إلى تسميته  ب"قوس الأزمات"، نظرا لتميزه بخصائص جغرافية وديموغرافية جعلت منه منطقة جذب بامتياز للمجموعات المتطرفة والخارجة على القانون. 

إن تحالف المهربين والمتطرفين وتجار المخدرات هو الذي يحرك المشهد في المنطقة الساخنة من الساحل والصحراء، أو ما يسمى"قوس الأزمات"، لكن خطورة هذا الوضع الذي أصبح يبرز بشكل لافت خلال العقد الأخير هو في نجاح هذا الثلاثي في إرساء نظام اقتصادي، أصبح مع الوقت إطارا غير شرعي للتبادل التجاري وخلق فرص العمل، وله محفزاته الخاصة القائمة على مبدأ المنفعة الاقتصادية البحتة وليس الدافع الديني أو الأيديولوجي، ف"في حين تبدو دوافع العمليات العنيفة للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي دينية وآيديولوجية، إلا أنه من الواضح أن المجموعة تهتم بالمكاسب المادية من خلال مطالبتها بالفدية، ونشاطات أخرى موازية مثل الجريمة المنظمة وتهريب البضائع... " .

وقد تأكد هذا الافتراض خلال التدخل العسكري الفرنسي في مالي سنة 2013 في إطار عملية "سرفال"، حيث واجهت الوحدات الفرنسية عدة مجموعات محسوبة على القاعدة وأخواتها، وتناور في نفس الميدان، وفي الغالب فإن هذه المجموعات لا تتقاسم بالضرورة نفس الأهداف السياسية أو الأيديولوجية، وكثيرا ما تتبدل التحالفات فيما بينها، وينتقل الأفراد من مجموعة إلى أخرى بحسب الإغراءات والمخاطر.

وهذا الواقع يحيلنا بالضرورة إلى مآلات هذه الجماعات التي تؤثر وتتأثر بمفاعيل فضاء اقتصادي واجتماعي وسياسي، يجعل من الصعوبة بمكان اعتبار الدافع الديني وحده هو المحرك الأساسي لهذه الجماعات، رغم أنه سيظل أهم هذه العوامل على الإطلاق.

ورغم الإيحاء المتعمد من طرف الجماعات المتطرفة عموما من خلال وسائل الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي باعتماد العنف منهجا وحيدا، إلا أن "قلة قليلة من أفراد هذه الجماعات هي التي تختار العنف وسيلة للتعبير عن قناعاتها من خلال الهجمات والتفجيرات الانتحارية"، وهو ما يعني أن الغالبية العظمى من منتسبي هذه الجماعات، وخاصة من هم في الهرم القيادي، يسعون في الغالب إلى تحقيق مصالح اقتصادية أو سياسية باستخدام عباءة الدين.

ولكن، قبل الحديث عن الدور الذي تلعبه الدوافع العقدية أو الاقتصادية في ترسيخ هذا الواقع، لا بد من الإشارة إلى البعد الجيوسياسي للمنطقة، من أجل تسليط الضوء على ما يمكن أن يعتبر جذور المأزق متعدد الأبعاد الذي يعيشه الفضاء الجغرافي المحصور بين مالي والجزائر والنيجر، ذو الغالبية الطوارقية، حيث يتجلى الانفلات السياسي والأمني، ويسود العنف والتطرف والجريمة المنظمة بمختلف أشكالها.

 

أزواد...مهد أزمة الساحل والصحراء

أزواد"هو حوض نهر جاف يقطع غربي النيجر وشمال شرق مالي وجنوب الجزائر، ومعناه "أرض الترحل"..".

برزت القضية الأزوادية إلى العلن مع ما يعرف ب"انتفاضة كيدال" سنة 1961، و"ما تلاها من أحداث وتطورات شكلت أول اختبار حقيقي كشف مدى هشاشة وتهافت "العقد الاجتماعي" للدولة الوليدة، إلى جانب تآكل مصداقية النخبة السياسية المالية، خاصة من أبناء الجنوب، وسط حالة غير مسبوقة من الاصطفاف الطائفي لصالح هذه الهوية العرقية أو تلك، في لحظة فارقة لا تحتمل التأويل كان يفترض فيها الحسم دستوريا في اتجاه هوية موحدة جامعة منفتحة في نفس الوقت كذلك، بحيث تستوعب الاجتماع المالي بكل تلويناته العرقية والثقافية...".

قد لا يصلح هذا التوصيف الخاص بدولة مالي على الجزائر، باعتبارها الدولة الثالثة التي تضم أراضيها الجزء الشمالي من إقليم أزواد، بسبب قوة الدولة المركزية، وعدم وجود مظاهر تهميش بادية لسكان الجزء الجزائري من الاقليم، ولكن مثل هذا التوصيف ينسحب وإن بدرجة أقل على دولة النيجر التي تضم الجزء الشرقي من الإقليم، حيث بوادر التململ والتمرد في صفوف أقلية الطوارق.

خريطة توضح الفضاء الجغرافي الذي يسكنه الطوارق

فالأزمة في أصلها سياسية، استمدت من بعدها العرقي والثقافي مبرر تجذرها وديمومتها، فلطالما شعر"الطوارق والعرب في هذه المنطقة بالحيف والظلم والامتهان، الذي طالهم من قبل الاستعمار الفرنسي، الذي لم يستسغ مقاومتهم المستميتة له ورفضهم الرضوخ لهيمنته، وتتمثل ماهية هذا البعد أيضا في تجاهل الاستعمار لخصوصياتهم الإثنية والسوسيو ثقافية والحضارية وتقسيم مجالهم الحيوي بين دول تم إنشاؤها وفقا لمصالح المستعمر وذلك على أنقاض الفضاء المتصل الذي عاشوا ضمنه لقرون عدة، ثم تحويل سكان هذا الفضاء من عرب وطوارق والذين يناهز عددهم أربعة ملايين نسمة، إلى أقليات ضمن دول لم يستشاروا أصلا في إلحاقهم بها وحملهم على أن يصبحوا مواطنين بها".

وعموما "يبقى الفشل في بناء هوية سياسية وطنية تساعد على خلق توافق وطني حول المرجعيات الأساسية المطلوبة في العقد الاجتماعي لبناء دولة المواطنة، أخطر هذه العوامل باعتباره يشكل الخلفية لكل هذه الأزمات".

لقد كانت النتيجة الحتمية لهذا الواقع المرير هي سيطرة الحركات المتطرفة كتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتنظيمات الجهادية الأخرى على المنطقة وتوسيع نطاق نفوذها، بغية إقامة ملاذات آمنة في مناطق خارج سيطرة الحكومات المركزية.

وكانت سيطرة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتنظيمات المرتبطة  به على شمال مالي كافية، لتتنادى الدول الغربية لتقديم "المساعدة التقنية في محاولة لتعزيز قدرة قطاعات الأمن والقضاء على مكافحة الجماعة، بيد أن الحكومات الغربية قلّلت من شأن، إن لم تكن تجاهلت، تأثير الجريمة المنظَّمة الذي يزعزع الاستقرار في المنطقة".

فإذا كان التطرف والإرهاب هو المظهر العلني للأزمة في منطقة الساحل والصحراء، فإن الجريمة المنظمة بمختلف أنواعها هي التي خلقت آليات هذه الأزمة وساعدت بشكل حاسم في استمراريتها.

مفاعيل الأزمة

أولا: العمل المسلح

    كان التجلي الأبرز للعمل المسلح في منطقة الساحل والصحراء هو ظهور التنظيمات الجهادية في شمال مالي على خلفية الأزمة السياسية الجزائرية، وتحول الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى فرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وما تلى ذلك من تحالف مع شبكات الجريمة المنظمة، والحركات الانفصالية من الطوارق، وهو التحالف الذي لم يلبث أن تحول إلى هجوم عسكري على نطاق واسع في يناير 2013، على خلفية إعلان انفصال الشمال وإعلان استقلال دولة أزواد. وقد تسبب هذا الهجوم في خلق تهديد جدي لاستمرار الدولة المالية في ظل انهيار الجيش المالي وتساقط المدن المالية في يد المتمردين، وهو الأمر الذي استدعى تدخلا عاجلا من المنظومة الدولية، تجسد في العملية العسكرية الفرنسية "سرفال"، وما تلاها من تدخل أممي، انتهى بإسناد مهمة حفظ السلام والأمن في الشمال المالي إلى "المهمة الدولية متعددة الأبعاد في مالي" MINUSMA.

لكن عوامل تغذية الصراعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء لا يمكن البتة الجزم بتراجعها، رغم "الهزيمة"  التي ألحقتها القوات الفرنسية والإفريقية المتحالفة معها بالتنظيمات الجهادية والانفصالية في شمال مالي سنة 2013، خاصة في ظل انتشار وتوسع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في ليبيا، وإعلان إحدى الفصائل الجهادية الناشطة في شمال مالي مبايعتها له، وهو ما يفتح المنطقة على احتمالات صراع مسلح مفتوح في المستقبل، خاصة في ظل انحسار أو تراجع التنظيم في معاقله في المشرق، وبحثه عن ملاذات آمنة في منطقة الساحل والصحراء، لكن ما يبعث على القلق حقا هو أنه في حين يعتقد الفاعلون في شمال مالي الذين يمثلون الشرعية الدولية والوطنية(بعثة الأمم المتحدة، مهمة باركان الفرنسية والحكومة المالية) أن الأزمة في طريقها إلى الحل من خلال تفعيل بنود اتفاق السلام الموقع ما بين الحكومة والحركات المسلحة ممثلة في منسقية الحركات الأزواديةCMA  والبلاتفورم، إلا أن الاعلان الأخير للجماعات المتطرفة في شمال مالي ربما يشكل معوقا جديا أمام جهود إقرار السلام والأمن في شمال مالي، فقد أصدرت "إمارة الصحراء" و"جماعة المرابطون" و"أنصار الدين" و"جبهة تحرير ماسينا" يوم  2 مارس 2017 ، بيانا مشتركا يفيد باندماجها في تنظيم موحد باسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وقد تم اختيار إياد أغ غالي زعيم "أنصار الدين" زعيما لهذا التنظيم الجديد..

ثانيا: تجارة السلاح

   تعتبر تجارة السلاح من أهم الأسباب المباشرة لتغذية الصراعات وعدم الاستقرار في المنطقة، وقد كان أول ظهور لهذه التجارة في ثمانينات القرن الماضي في الجنوب الجزائري، حيث تمكنت الجماعة السلفية للدعوة والقتال في إطار صراعها مع أجهزة الأمن الجزائرية من الاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة، وحسب" المصادر التي بحوزة المصادر الأمنية فإن مئات الآلاف من بنادق الكلاشنيكوف ومن الراجمات والمتفجرات تنتشر في المنطقة... ".

كان هذا هو واقع تجارة السلاح قبل سنة 2011، غير أن هذه السنة بالذات سوف تشهد حدثا استثنائيا، كان له ما بعده من حيث انتشار السلاح والمتاجرة فيه، ذلك أن "تجميع مخزونات الأسلحة وطيلة عقود في فترة حكم القذافي، جعل ليبيا مخزونا لا ينضب من الأسلحة من مختلف العيارات وفي فضاء مفتوح، ففي تصريح للسيد جيمس تيرتون مسؤول تقليص العنف المسلح في "الدولية للمعاقين" ل"فرانس 24" قال:"لم أر أبدا مثل هذا القدر من الأسلحة الخفيفة المنتشرة في ليبيا...إن الأرقام المقدمة مقلقة: ما بين 1080000 قطعة سلاح خفيفة، وبضعة آلاف من الأسلحة الثقيلة، وإذا لم تكن ليبيا قد وصلت إلى استعادة استقرارها وأمنها، فما ذلك إلا بسبب هذه الترسانة من التسلح الذي يصعب على الدولة مراقبته.".

ولكن عدم الاستقرار هذا لم يتوقف عند الحدود الليبية، بل إن كتائب القذافي التي ينتسب لها الكثير من أبناء الطوارق، أصبحت عنصر بلبلة واضطراب في دول الساحل، بسبب ترسانة كبيرة ونوعية من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة المتطورة نسبيا، التي اصطحبها هؤلاء معهم عند عودتهم إلى مناطقهم الأصلية. ومن غير المستبعد أن يكون لانتشار الأسلحة الليبية في المنطقة علاقة مباشرة بآخر تمرد عسكري كبير في شمال مالي.

وتشير التقديرات إلى أن" الانتشار المتنامي للترسانة الهائلة من الأسلحة الليبية قد جعلت من شمال النيجر مركزا لتهريب الأسلحة(في اتجاه آكاديز، الذي يعتبر سوقا جهوية كبيرة لتجارة الأسلحة)، ومن جنوب الجزائر معبرا للأسلحة إلى النيجر وشمال مالي".

وربما كانت هذه السهولة في الولوج إلى سوق تجارة السلاح الليبي هي التي ساعدت التنظيمات الجهادية في شمال مالي على الحصول على السلاح الليبي النوعي، فقد وجد التنظيم نفسه أمام فرصة لا تعوّض من أجل الحصول على السلاح، خصوصًا غير التقليدي منه، كالصواريخ المضادة للدروع، وحتى المضادة للمروحيات، ويرجح أن التنظيم نجح في عقد صفقات ضخمة لشراء الأسلحة مع العديد من الميليشيات والمرتزقة المتواجدة في ليبيا.

ورغم كل ذلك، فإن ذات المصادر تشير إلى أنه وخلافا لكل التقديرات، فإن الأسلحة القديمة للجيش المالي شكلت القسم الأعظم من مخزونات الأسلحة التي صادرها الجنود الفرنسيون من الجماعات المتطرفة أثناء عملية "سرفال" 2013 في شمال مالي، وليست الأسلحة الليبية، وهو ما يعني أن المصدر الأول للأسلحة المنتشرة في منطقة الساحل والصحراء هو الصراعات القديمة في المنطقة.

ثالثا: تجارة المخدرات

    تعود بدايات تجارة المخدرات في المنطقة إلى الثمانينات، مع ظهور تجارة تهريب السجائر إلى بلدان إفريقيا الشمالية، وهو ما أدى إلى ظهور شبكات وممارسات وطرق جديدة مهدت لاحقا لتجارة المخدرات.

لكن المنعطف الحاسم في رواج هذه التجارة كان مع ظهور مادة الكوكايين سنة 2000، حيث شكل هذا الأمر دفعا قويا لاقتصاد الجريمة في منطقة الساحل والصحراء، لكنه في المقابل ألحق ضررا بالغا بجهود دول المنطقة في القضاء على تجارة الجريمة المنظمة، حيث ساهم في "نمو جماعات مافيوية .. ففي كل سنة يتم نقل 50 طنا من الكوكايين عبر إفريقيا الغربية في اتجاه أوربا، بعوائد بمليارات الدولارات(1,5 مليار دولار سنة 2012 )".

وقد راجت هذه التجارة إلى درجة أنه"تم استخدام بعض الموانئ من قبل تجار المخدرات الجنوب آمريكيين لاستقبال كميات كبيرة من الكوكايين، والهيروين....هذه المخدرات موجهة إلى البلدان الأوربية عبر بعض بلدان الساحل: حالة البوينغ 727، التي كانت تنقل أكثر من عشرة أطنان من الكوكايين والتي سقطت في غاوا سنة 2009. ..".

وكمثال على العوائد الكبيرة من العمل في نقل الكوكايين، فإن عائد المشاركة في رحلة نقل السجائر بالنسبة لشاب من تينبكتو تقدر ب 100.000  فرنك إفريقي، في حين أن عائد المشاركة في رحلة نقل الكوكايين هو ضعف هذا الميلغ عشر مرات(مليون ف إ)، وتقدر أجرة سيارة مشحونة بالكوكايين عبر  الصحراء ب 18 مليون فرنك إفريقي، موزعة بين السائق والحارس وقائد المتن...".

ورغم الضربة التي تلقتها شبكات التهريب والجريمة، وحالة الوهن التي أصابت التنظيمات المتطرفة جراء الحرب الأخيرة في شمال مالي، إلا أن حالة الضعف والهشاشة التي تعيشها بعض بلدان الساحل والصحراء خاصة بلد المنبع مالي،  لا تزال تغري شبكات تهريب المخدرات لخوض مغامرة الصحراء والساحل، "حيث يتم تهريب 250 طن من الكوكايين من غرب إفريقيا إلى أوربا كل عام، وتصل قيمتها إلى حوالي 11 مليار دولار إذا ما تيسر لها الوصول إلى الأسواق المستهدفة"، وهذه الأسواق المستهدفة هي في الغالب بالإضافة إلى أوربا الخليج العربي وآسيا، حيث يتم نقل الحمولة من دول محددة في آمريكا اللاتينية هي فنزويلا والبرازيل وكولومبيا وبوليفيا بواسطة الطائرات إلى منطقة الساحل والصحراء، لتبدآ رحلة برية وجوية في بعض الأحيان، طويلة ومعقدة إلى الأسواق المستهدفة، تحت رعاية وحماية الحلف المشكل من التنظيمات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.

رابعا: تهريب السلع

يعتبر تهريب السلع المشروعة، تجارة سابقة لمختلف أنواع الأنشطة غير الشرعية في منطقة الساحل والصحراء من سلاح ومخدرات، فقد ظلت المنطقة منذ بداية الثمانينات مسرحا "لتهريب السجائر، والغش التجاري والاحتيال المالي، وجرائم التقنية العالية، وتجارة الأسلحة، والاستغلال الجنسي المنظم، وغسل الأموال".

خامسا: ظاهرة  الفدية

   تشكل الأموال المتأتية من عوائد الفدى أحد أهم الموارد المالية للجماعات والتنظيمات الجهادية الناشطة في شمال مالي. وقد بدأت هذه الجماعات في امتهان أسلوب الفدية كوسيلة لتمويل عملياتها مع محنة السواح الأوربيين "في النصف الثاني من عام 2003، عندما قام عمار الصايفي[المكنى عبد الرزاق البارا] باختطاف أكثر من ثلاثين سائحا أوربيا من جنوب الجزائر، وعبر بهم الحدود باتجاه شمال مالي، قبل أن تنتهي محنتهم بدفع حكوماتهم فديات مالية ضخمة مقابل الافراج عنهم.".

ولعل هذا الاستعداد والاندفاع الذي أبدته بعض الحكومات الغربية في افتداء رعاياها، سواء منه المعلن أو غير المعلن هو الذي دفع الخبير الإسباني في شؤون الجماعات الإرهابية المسلحة بدول الساحل "فيردينار رينياس" إلى تحميل "الدول الأوروبية مسؤولية القوة والنفوذ اللذين أصبح تنظيم درودكال يتمتع بهما في الشمال المالي، بعد المبالغ المالية الضخمة التي منحتها له على شكل فديات، واستغلال سلطتها في إطلاق العديد من قادتها من سجون دول الساحل".

سادسا: الجغرافيا القاتلة

تشكل الصحراء الإفريقية الكبرى على اتساعها جزءا من مساحة معظم دول الساحل والصحراء، ونظرا للخصائص المناخية الصعبة لهذا الفضاء القاحل، وافتقاره إلى أبسط مقومات الحياة أصبح منطقة طرد للسكان، لكنه في المقابل تحول إلى منطقة جذب لشبكات الجريمة المنظمة والخارجين على القانون وأخيرا التنظيمات الجهادية، التي أصبحت تتخذ من الصحراء ملاذا وحصنا، يضمن لها تجنب الملاحقة من طرف الأجهزة الأمنية للدولة الضعيفة أصلا، ويوفر لها في الوقت نفسه إمكانية الحركة المجالية الواسعة، وتركيب المناورات وتنفيذ عمليات عسكرية على نطاق واسعة.

ويبرز هذا الواقع الأثر الحاسم للعامل الجغرافي على الواقع السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي لهذه الدول.

سابعا: فشل السياسات الأمنية

 يمكن القول إن دول الساحل نجحت وإن بنسب متفاوتة في مواجهة التهديد المسلح للتنظيمات الجهادية، رغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، لكن الاستثناء البارز في هذا المجال والذي يجعل كل هذه المكاسب في مهب الريح هو فشل الدولة المالية في حل الأزمة الأمنية في الشمال، حيث ظلت هذه المنطقة بؤرة ملتهبة ومصدر تهديد جدي للبلدان المجاورة لمالي.

ورغم العملية العسكرية الفرنسية الحاسمة الأخيرة إلا أن قدرة هذه التنظيمات الجهادية في التكيف مع الواقع الجديد، واعتمادها أساليب قتالية لانمطية، تعجز الجيوش التقليدية عن مجاراتها، كل ذلك يجعل خطر بروز هذا التهديد واردا في أية لحظة، خاصة في ظل التحاف الجديد بين هذه التنظيمات الذي سبقت الاشارة إليه.

ثامنا: الدوافع الفكرية والعقدية

رغم كل ما قيل عن الأثر الحاسم للعوامل الأخرى غير العقدية في تعميق وترسيخ الأزمة متعددة الأبعاد في الساحل إلا أنه لا يمكن إغفال  أثر العامل الفكري لدى الجماعات المتطرفة في إيجاد "المبرر الذاتي" لارتكاب أعمال العنف والجريمة، فالعنف الذي تمارسه هذه الجماعات "هو فعل يقترفه أصحابه بدوافع دينية ومبررات فكرية يسعون من ورائها إلى تجسيد قناعتهم الدينية على أرض الواقع، وهذا ما يبين ان الأفعال التي يقومون بها حتى وإن وصفت بأنها إرهابية، تستمد "شرعيتها الدينية" ومبرراتها من المنظومة الفكرية التي تشكل عقلياتهم وتصورهم للعلاقة بين المسلمين وبين غيرهم، وتحدد منهجهم العلمي للتغيير الحضاري الذي ينشدونه..." .

ويستند معظم أعضاء هذه الجماعات في موقفهم على المفاهيم الفكرية التالية:

1ـ القول بأن الأصل في العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم الحرب وليس السلم

2ـ الفتوى بوجوب جهاد الطلب:"الهجوم على الآخر"

3ـ القول بأن الكافر يقاتل لكفره وليس لرد عدوانه

4ـ تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب

5ـ الفتوى بحرمة عقد صلح دائم بين المسلمين وغيرهم

6ـ القول بعدم عصمة دماء أموال الكفار ودمائهم

7ـ القول بالنسخ في التشريع الإسلامي

  ونظرا إلى هذا المنشأ "العقدي" لفكرة الإرهاب، فقد أصبح الشق الفكري أحد أهم مرتكزات المقاربة الأمنية الموريتانية لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث تأسس هذا البعد الديني على مبدأ مقارعة الحجة بالحجة، ودحض الأدلة التي يدفع بها أصحاب هذا النهج الذي يعتقد الكثيرون أنه جديد على أهل هذه البلاد وخارج على معتقداتهم.

وقد أوكلت هذه المهمة إلى نخبة من العلماء والفقهاء وأهل الفكر، حيث شرعوا في مرحلة أولى إلى تنظيم ندوات ومؤتمرات فكرية ودينية، وطنية ودولية للتحسيس بمخاطر الإرهاب والتعبئة ضده.

وقد مهد ذلك للمرحلة اللاحقة والأهم وهي الاتصال بالموقوفين ومرتكبي أعمال العنف، وفتح حوار مباشر وصريح معهم حول مختلف الإشكالات الفقهية ذات العلاقة بالفكر المتطرف.

وأثمرت هذه الحوارات عن "تراجع بعضهم عن قناعته التفكيرية، وتعهد هذا البعض بالانسجام السلمي مع المجتمع وفي المقابل، أفرجت الدولة عن العشرات منهم بعد توقيعهم على بيانات أكدوا فيها تخليهم عن العنف ورفضهم للأسلوب الذي ينتهجه تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات المتطرفة".

       وعموما يمكن القول إن تزامن كل هذه العوامل والمفاعيل، خاصة منها المدرة للدخل قد ساهم في تشكل ملامح مقاربة اقتصادية موحدة لجماعات الجريمة المنظمة في المنطقة، فقد"استطاعت شبكات التهريب الدولية أن تتكيف مع الظروف القاسية للساحل الصحراوي وأصبحت تعتمد على بعضها البعض ضمن استراتيجية شاملة ومعقدة من أجل البقاء، تتجاوز الخصوصية التنظيمية لكل شبكة على حدة، تتساند فيما بينها وتوظف قدرات وخبرات بعضها البعض من خلال تقديم وكلائها لخدمات مأجورة تحت الطلب ضمن ما يشبه دورة اقتصادية مغلقة خاصة بها، تتطور بسرعة نحو نوع من "رأسمالية الإرهاب" أو "اقتصاد الإرهاب الريعي".

غير أن  العامل الحاسم في استمرار الوضع على ما هو عليه في منطقة الساحل والصحراء هو ضعف الجهود الدولية في دولة المنبع، بسبب طبيعة التفويض "السلمي" الممنوح لبعثة الأمم المتحدة متعددة الأبعاد وعجز الحكومة المالية والقوات الفرنسية المتواجدة حاليا في شمال مالي عن وضع حد للعمليات المسلحة. ويبدو أن هذه الجهود سوف تواجه من الآن فصاعدا معضلا أمنيا جديدا يتمثل في التحالف الجديد بين الجماعات الإرهابية والذي يبدو أنه هو الآخر جاء كردة فعل استباقية على إعلان دول الساحل نيتها تشكيل قوة عسكرية مشتركة من المقرر أن تبدأ عملها مع مطلع العام القادم.

 

المراجع المعتمده

 

ـ ثني المنحنى، مجلة "منبر الدفاع الإفريقي adf  "، المجلد7، الربع2 من سنة 2014

ـ دكتور ديدي ولد السالك، أزمة الأمن في منطقة الساحل وانعكاساتها على بلدان المغرب العربي، مجموعة مؤلفين، صادر عن مؤسسة كونراد ادناور والمركز المغاربي للدراسات الاسترالتيجية، التوفيق 2004

- Abderrahane, Abdelkader, « Terrorisme et trafic de drogues au Sahel », Le Monde, 19

- juillet 2012, http://www.lemonde.fr/idees/article/2012/07/19/terrorisme-et-trafic dedrogues-au-sahel_1735046_3232.html

ـ اكناته ولد النقره، الطوارق من الهوية إلى القضية، المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية، طوب بريس الرباط 2014

ـ أسماء رسولي، مكانة الساحل الإفريقي في الاستراتيجية الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، فرع الدبلوماسية والعلاقات الدولية، جامعة الحاج لخضر، باتنه، كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 2011

ـ د.محمد الأمين ولد الكتاب، البعد السياسي لأزمة الأمن في منطقة الساحل: ماهيته وتداعياته على بلدان المغرب العربي، كتاب "أزمة الأمن في منطقة الساحل وانعكاساتها على بلدان المغرب العربي"، مجموعة مؤلفين، صادر عن مؤسسة كونراد ادناور والمركز المغاربي للدراسات الاسترالتيجية، التوفيق 2004

ـ ولفرام لاخر،الجريمة المنظَّمة والصراع في منطقة الساحل والصحراء

ـ عقيد محمد المختار العلوي، التعقيبات الوضعية الأمنية في الساحل وارتداداتها على المغرب العربي، أزمة الأمن في منطقة الساحل وانعكاساتها على بلدان المغرب العربي، مجموعة مؤلفين، صادر عن مؤسسة كونراد ادناور والمركز المغاربي للدراسات الاسترالتيجية، التوفيق 2004

- RAPPORT D´INFORMATION  N° 720 FAIT au nom de la commission des affaires étrangères, de la défense et des forces armées  par le groupe de travail « Sahel », SÉNAT SESSION EXTRAORDINAIRE DE 2012-

- RAPPORT D´INFORMATION  N° 720

- RAPPORT D´INFORMATION  N° 720,

- RAPPORT D´INFORMATION  N° 720 ,

ـ محمد محمود أبو المعالي، القاعدة وحلفاؤها في أزواد، النشأة وأسرار التوسع، مركز الجزيرة للدراسات، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 1435ه، 2014م

[1] ـ نفوذ القاعدة يهدد القارة السمراء بعد خسارة قواعدها في المغرب العربي، مقال منشور في صحيفة  "العرب" ، بتاريخ 06/03/2014، العدد 9491، ص6، على الرابط التالي: http://www.alarab.co.uk/?id=17021

[1] ـ محمد المهدي ولد محمد البشير، الجذور الفكرية للعنف في بعض الفتاوى الفقهية، أزمة الأمن في منطقة الساحل وانعكاساتها على بلدان المغرب العربي، مجموعة مؤلفين، صادر عن مؤسسة كونراد ادناور والمركز المغاربي للدراسات الاسترالتيجية، التوفيق 2004

ـ إزيد بيه ولد محمد البشير، الساحل والمغرب العربي: قضايا الأمن وصراع القوى العظمى على موارد الطاقة.

 

رائد سيدي محمد ولد حديد

ماستر في  "الإسلام والدولة والمجتمع في المجالين الساحلي والصحراوي في الفترة الحديثة والمعاصرة"