‏حديث الجمعة /البراء ولد محمدن‏.

جمعة, 11/24/2017 - 00:32

أعود بأفكاري لزماننا، وأفتش بين ثنايا الضحكات عن سعادتي وتأخذني الأحاسيس إلى أحلامي وأرى الثواني تمضي من أمامي، ولا تزال نفس المشاعر فيّ، ودفاتري ما زالت مملوءة برسم طفولتي ومقاعد الدرس لا تزال تحوي دفء حكاياتي.
فلعل غيرك إن رآك مرنما ** طرح الكآبة جانبا وترنما
الذكريات الجميلة نجم في السماء يضيء لي، ودرة فخر تتلألأ وأزين بها كلامي، وناي أطرب به، وسفينة أحلام أبحر بها عبر الأيام الحاضرة بأمل استعادتها في القادم من أيامي. 
الذكريات قد تثير فينا الشجن، قد تثير فينا الحزن، قد تعود بنا إلى الماضي الذي نرفض نسيانه، أو الذي نريد نسيانه. ولكن ألا يكفي تذكرنا إياها دليلا على أنها ما زالت باقية فينا، وأن أصحابها ما زالوا معنا في قلوبنا وأرواحنا.
كنت فيما مضى حدثتكم في هذيان "حديث الجمعة" عن أيامي الأولى بمدرسة القرية، واليوم سأحدثكم عن أيامي الأخيرة بها.
في ذلك العام الدراسي الذى تميز بالمثابرة والاجتهاد لتجاوز تلك المرحلة من التعليم إلى مراحل أخرى يحدوني الشوق إليها لأنها مرحلة الرجولة في نظري، تتطلب السفر إلى إحدى المدن التي بها إعداديات وثانويات، وبذلك السفر تكتمل الرجولة.
ضاربا عرض الحائط بمحاضن الطفولة، متناسيا أنها هي مزارع الأسرار وتربتها تدفن بذور النور، وخريطة الفتح الآتي، ومواعيد الزمان الجديد.
كان التمييز ضد أطفال ولاية الترارزه على أشده.. ينال أحدهم 120 درجة فيحرم من دخول الإعدادية التي يلجها في ولايات أخرى أطفال لم يزيدوا على 45 درجةٍ! 
كان انواكشوط قريبا من العدل وإن كان موقعه محسوبا عليه؛ فكان التجاوز فيه أصعب من باقي التراب الوطني، ولكنه كان أسهل بكثير من باقي الولاية التي تحتضنه؛ لذا كان ملجأ بعض ضحايا التمييز، فكثيرا ما وقف الانتماء الجغرافي أمام الأطفال فأرسلوا إلى العاصمة فتجاوزوا من العاصمة بدرجات تقل بالربع أحيانا عما أحرزوه في مدارسهم! (حقيقة يصعب تصديقها على من لم يعايشها). لذا بذل معلمنا الغالي والنفيس من أجل أن ننجح.
وقبل أن أتجاوز هذه الفقرة لا بد أن أقول ملء الفم لمعلمي الفاضل: مهما تباعدت بنا المسافات و الأيام سيظل حبك ساكنا في قلبي ممسكا بكل مشاعري، لا يمكنني نسيانك أو تناسيك.
كان معلمنا يدرس بالمعهد العالي للدارسات والبحوث الإسلامية إلا أنه ظل يعوض تلك الحصص التي تضيع أثناء غيابه، وكان يعتمد في مادة الحساب على كتاب يمسى auriol "أوريل" وفي العربية اعتمد كتابي "الشامل" و"التلاوة العربية للمدارس المغربية" مع تدريس قصائد محمدُّ ولد محمدي و محمد ولد الطلبه و امحمد ولد أحمد يوره.
خلق معلمنا جوا تنافسيا إيجابيا بيننا كان له الأثر الإيجابي على قسمنا في مجال الحفظ؛ وخصوصا حفظ القواعد الفقهية واللغوية؛ مع إلزامنا يوميا بتمارين حسابية منزلية.
في تلك الفترة قمنا بحل جميع الامتحانات السابقة مجموعة في كتاب يسمى "دليل الطالب".
مساء يوم الاثنين الموافق 01/6/1992وصلت سيارة مفتشية التعليم بالمقاطعة، ونزل منها رجلان بيد أحدهما محفظة تلفت الانتباه، تبينت بعد غد أن بداخلها مواضيع الامتحان الذى يقام لأول مرة في القرية.
في اليوم الموالي (يوم الثلاثاء) ذهبت إلي حجرتي الوحيدة التي درست بها طوال ست سنوات، والتي تسابقت مع أمثالي من أبناء الوطن بداخلها.
مررت بمسنات من الحي من بينهن الجدة، فكان الدعاء واحدا دون اختلاف يذكر: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} "عند الامتحان يكرم المرء... يكرم المرء... يكرم المرء" يكررن دعاءهن ثلاثا دون ذكر ما يكره الطالب (أو يهان) تيامنا.
في حدود الساعة الثامنة دخلنا القاعة، وكنت في غاية السعادة. عدد التلاميذ لا يتجاوز واحد وعشرين تلميذا ذكورا خُلَّصًا
بدأ توزيع المادة الأولى، وكان الارتياح باديا على وجهي المراقبين.
وأذكر أن أحدهما عندما وزع مادة التربية الإسلامية قال وهو يبتسم : "هذا بسيط جدا جدا هذا تكفيه كلمات الأخضري".
مر اليوم بسرعة، وعند تمام العاشرة من صبيحة اليوم الموالي تكاملت مواد الامتحان فبدأنا نستمتع بأجواء العطلة الصيفية.
مر ما يقارب الشهر ونسيت أمر المسابقة، وبينما نحن نستمتع بأجواء خريف متوسط جدا، وعلى ضوء قمر جميل في ليلة من ليالي يوليو توقفت السيارة الوحيدة التي تصل بين القرية وبين لگوارب قرب المسجد، فإذا بسائقها يقول: "امنين هوم أهل كونكور؟!" فأسرعت إليه أنا وبعض الرفاق، فناولنا - وهو يبتسم- أعدادا من جريدة الشعب دون أن يخبرنا بمن نجح أو بمن رسب،
كانت ضربات قلبي تتسارع وأسمعها بوضوح في أذني. 
أخذنا مصباحا وبدأنا نبحث عن أسمائنا فوجدت اسمي وأسرعت إلى الدار فوجدت الوالدة وأخبرتها بنجاحي فسرت به أيما سرور. توجهت صوب منزل الجدة فأخبرتها وسُرَّت بالأمر هي الأخرى. والغريب في الأمر أن كل واحدة منهما قالت لي: "الله ابرك اعلينا واعليك المقادير".
بدأت أيام العطلة تطول علي لأنني كنت أريد الذهاب في أسرع وقت إلى المدينة وبدء حياة جديدة.
في نهاية شهر سبتمبر جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد أصبت بمرض الحصبة "بو حيمرون "وتلك قصة أخرى.

يتواصل بإذن الله