من ذكريات الاسفار في الداخل... قصة......وعبرة !!! (تدوينة)

ثلاثاء, 11/21/2017 - 01:49
الزميل الصحفي أحمدو اندهمر

في خريف العام 2009 كنت في إجازة في ولاية لعصابة ،وذات يوم جمعة كنت أتأهب من مدينة كيفة ، لزيارة قرية لگنيبة التي تقع جنوب المدينة وتبعد عنها بخمسين كلمترا جنوبا.....
ولم تكن الطريق الى لگنيبة آنذاك قد عُبدت ، وكان السفر اليها وإلى كنكوصة ، " قطعة " من عذاب الدنيا ، لايُحدثك عنه الا من عاشه....وذات يوم جمعة قررت أن أزور الرحم في هذه القرية ،وقصدت محطة النقل ، متأخرا ، ووجدتها خالية من السيارات ،باستثناء واحدة من نوع هيليكس ،وقد تم شغل جميع مقاعدها ، وأرتفعت حمولتها من البضائع والمسافرين بنحو متر فوق قمرة القيادة!!! 
فسألت السائق إن كان بإمكاني أن أرافقهم رغم الحمولة الزائدة ،والخطورة البالغة ، وتوقيت الجمعة الوشيك....فنظر إلي ،وطالع في وجهي ،وشكلي ،وهيأتي ،ورد علي ،قائلا أقترح عليك أن تنتظر بعد صلاة الجمعة ،فتنشط وتيرة النقل ،وستجد مكانا لائقا بك ، الى وجهتك ...ولا أرى أن الصعود الى " قمة أفرست " سيناسبك !! فهمت قصده ،وقلت له ،إياك أن تفهمني بالمعكوس ،فأنا إبن الريف ،وتسلقت كل المرتفعات في حياتي باستثناء (مرتفعات السلم الإداري ) ، وركبت الخيل والحمير والجمال...ولاتخش عليّ ،أخي .....ودعني أرافقك.....فقبل ،وعلى مضض...
وبدأت أولا رحلة المعراج ،الى ذروة سنام الحمولة ،حيث يجلس المسافرون ...،وبعد عملية رفع جماعية ،وصلتُ الى حيث ستبدأ ،مراسيم الجولة " السياحية" الممتعة على ظهر الحمولة المجنونة لسيارة الهايليكس ....
وكان المشهد العام ،على النحو التالي :
مجموعة من المنمين البولار ،من ذوي العمائم الكبيرة ،والأصالة المتجذرة ،يجلسون على أطراف الشبكة التي تلُف ،و تشد الحمولة الفائضة عن حوض السيارة ، وفي الوسط سيدة متقدمة في السن ،ربما تكون والدتهم ،أعدو لها متكأ ،بينهم في حفرة داخل الحمولة ، وأحاطو بها لتثبيتها ،ولحمايتها من شر تلك الرحلة المشؤومة!!
و على أطراف الشبكة الداعمة للحمولة ،تم ربط عدد من الأغراض والحقائب الخفيفة ، وبعض عبوات الزيت ، وغيرها ،بالإضافة الى ديك مسلسلِِ ،بمحاذاة السيدة المكينة ،والمبجلة....إنتهى الوصف....!
انطلقت السيارة ،وانطلقت أنا معها باتجاه المجهول.... ،وحاولت ربط علاقات صداقة مع إخوتي البولار ،وتمايلت كثيرا على صوت المطربة التي كانت تصدح من بوق المسجل الذي كان كبيرهم يعلقه على عاتقه كالسلاح ،وذلك ،بعد إكتشافي لخطورة المشهد ،وضرورة ربط علاقات " ودية" تشفع لصاحبها ،عند إشتداد الخطب....
وكنت أجلس على سفح الحمولة ، وأشعر مع كل خطوة تخطوها السيارة ب" حاجتي" للإنزلاق وملامسة الثرى!!
وقد أثمرت " دبلماسيتي" مع الراكبين البولار ،إنقاذي من مطبين خطيرين ،و فُسح المجال لي للإقتراب من حفرة والدتهم المؤمنة وديكها المبجل !!
أما المطب الثالث والخطير ،فقد صرف إهتمام الركاب ،الى والدتهم ،والالتفاف حولها ، لأقطع أنا أشواطا في الفضاء لوحدي ، كمنديل ورقي تذروه الرياح ، وفي عودتي قادما ،من "طبقة الأوزون "،لم أتبين من " المدرج" الذي كنت فيه الا ساقي جدتي ،الممدودتين ، وديكها المبجل الذي لعب لي دور برج المراقبة بامتياز ... وبما أن الغريق ،وكما يقال يتشبث بقشة ، فإن المقذوف والطائر لاضير عليه إذا ماتشبث بطائر ،وليس في هذه الدنيا ، إطلاقا، ما هو أمتع من رقبة ديك جدتي ، الذي ،بقي للأسف في يدي وأنا أواصل الهبوط الإضطراري ،قبل أن يتم توقيفي على بعد سنتمرات من عجلات السيارة!!
حينها تم الإعلان عن حالة إستنفار ،وطوارئ بسبب الضجيج " فوق" قمرة القيادة ،لتتوقف السيارة ، وأحييي أنا من جديد الحياة!!!
هذه هي القصة ، أما العبرة ،فهي كيف تظل السلطات المختصة تنظر بتجاهل تام ،إلى واقع النقل المرير في الداخل ،وتتغاضى عن التجاوزات الخطيرة في نظام النقل ، و عن الحمولة المجنونة للسيارات ، و عن أمن المسافر وسلامته!!!
لقد ،قامت الدولة بجهود جبارة في مجال تحديث أسطول النقل البري ،وأعفت كل الباصات والسيارات المستوردة لغرض النقل من الديوانة ، وهيأت الأسباب لإقلاع حقيقي في المجال ،لكن للأسف وفي المقابل ،،لايزال واقع النقل بين الأرياف ،والحوضر مأساويا بامتياز ، ولايزال سيف الموت مسلطا بقوة على المسافرين ،بسبب غياب أبسط نظم السلامة في المجال...!!!

من صفحة الزميل الصحفي  Ndahmar Ahmedou على الفيسبوك