مراجعة القانون الجنائي الموريتاني ...ضرورة...وخيار /القاضي د.هارون اديقبي

سبت, 10/28/2017 - 16:21

توصَّل الفقه الجنائي الحديث إلى نتيجة مفادها أنه كلما ازدادت القوانين عددا ازدادت أحوال البلاد سوءا وفسادا، وما من شك في أن تَعَالِي صوت الجمهور اليوم معلنا بأن علاج  ذلك [السُّوء و الفساد] يستدعي سنَّ مزيد من القوانين أو تشديد بعض العقوبات، سيجعل تلك الحرية تعيش أسوا أيامها.
وعلى الرغم من كل ذلك فإنه لا يمكن التغاضي عن محورية القانون الجنائي كأداة هامة من أدوات الضبط التي تمارسها الدولة  لحفظ الحقوق، مما يستدعي وضع منظومة جنائية دقيقة ومتكاملة ترقَى إلى صَوْن تلك الحقوق، بواسطة التحيين والمراجعة كلما وجدت دواعي ذلك.
وليست منظومتنا الجنائية الحالية في منأى عن ذلك خصوصا إذا تعلق الأمر بالأمر القانوني رقم: 162.83 الصادر بتاريخ  09 يوليو 1983  ، الذي ادخل  تعديلات جوهرية طفيفة على القانون رقم: 72.158 الصادر بتاريخ 31 يوليو 1972 المنشئ للقانون الجنائي الموريتاني  ، تمثلت في "أسْلَمة" هذا القانون عن طريق تبنِّيه للشريعة الإسلامية؛ مضمونا، وإحالة [المادة:449]، لعدة دواعي منها:إضفاء مزيد من الأنْسَنَة عليها، و سد الثغرات، و الاختلالات التي تشوبها ،و لمِّ شتات المقتضيات الجنائية المتناثرة في القوانين الخاصة الأخرى، و مواءمتها مع المقتضيات الدولية الملزمة، وتقليص المقتضيات الجنائية الخاصة التي ألجأت إليها ضرورة  العزوف أو التخوف من مراجعة هذا القانون. 
إن أي مراجعة للقانون الجنائي لن تكون من قبيل التدخل المذموم، إن كانت ترمي إلى تضييق نطاق العقوبة السالبة للحرية، و إعادة ضبط وتقنين العقوبات البدنية، و التحكم في إعمالها، وتكريس مبادئ: المساواة ، والشرعية، و الطبيعة الشخصية للمسؤولية، و الملاءمة، وعدم الإفلات من العقوبة، و مقاربة النوع، وهي المبادئ التي ينبغي أن تخضع لها محتويات القانون الجنائي الثلاث: التجريم، والجزاء، والمسؤولية.
1- محتوى التجريم: الذي يتحدد في ضوء النظام الاجتماعي السائد بكافة مضامينه الاقتصادية والاجتماعية والفكرية اعتبارا للمصلحة العامة والخاصة، وهو ما يتطلب تمحيصا للجرائم المنصوص عليها حاليا في هذا الأمر القانوني عن طريق الإلغاء والتحسين والإضافة.
 فهناك جرائم فقدت صداها الاجتماعي يتعين حذفها فهي و إن كانت تثير مشاكل بُنبوبة متعددة  إلا أن معالجتها لا يمكن اختزالها في التجريم مثل: التسول، والتشرد [المواد:250؛251] والنشوز [المادة:288]،  و هناك جرائم تطورت بسبب التقدم التكنولوجي الهائل مما يتطلب إدخال تحسينات عليها كمفهوم الملكية في السرقات ومحل الاعتداء على منفعة بدون المساس بالملكية، ومفهوم المال المادي والمعنوي والالكتروني ، وهناك جرائم افرزها التطور الاجتماعي تستدعي نوعا جديدا من التجريم كالإرهاب والعنف الجنسي، و زنا المحارم، و التحرش الجنسي،والاغتصاب بكافة أشكاله الحديثة، وكلها فراغات تتطلب سدا عند المراجعة، وهناك جرائم تحتاج إلى إعادة تنظيم لمقتضياتها بشكل دقيق يتماشى مع ما هو منصوص عليه في الشريعة والمواثيق الدولية كالمواد المتعلقة بـ: انتهاك حرمة الله[المادة: 306]، وتكوين جمعيات الأشرار[المادة: 246]وما بعدها والمقتضيات المتعلقة بالهروب من المعتقلات [المادة: 227] وما بعدها والمواد المتعلقة بالحرابة:[المادة:353وما بعدها]، والسرقات: المادة: 351 وما بعدها، والاغتصاب:المادة: 309، والزنا:المادة: 307، والسكر العلني المادة:341 وغيرها. 
وفي هذا الإطار فقد بات من الضروري توسيع نطاق جريمة القتل لتشمل جريمة القتل شبه العمد، وهو قصد إزهاق نفس معصوم الدم بما لا يقتل غالبا، وقد اوجب فيه غير المالكية الدية على العاقلة مؤجلة على ثلاث سنوات استفادة من موروثنا الفقهي.
2- محتوى العقوبة؛ فالعقوبات الحالية تستدعي مراجعة شاملة لنوع العقوبة، ودرجتها والجهة التي تقررها، ومن ثمَّ فلا بد من تنقية القانون الجنائي من مجموعة المخالفات التي يُعاقب عليها بغرامة أو تدابير إدارية بسيطة، وذلك بإعطائها طبيعة إدارية فمن شأن هذا الحذف أن يخفِّف العبء على القضاء .
بل لا بد من تقليص العقوبة الحَبْسية خاصة في الجرائم المتوسطة أو التعزيرية لكون هذه العقوبة ليست ترياقا مناسبا لمعالجة الإجرام لعلة واضحة و هي فشل التأهيل والإصلاح السِّجني، فقد أثبتت كافة التجارب التي مرت بها السجون و الأنظمة التي تم تجريبها لتسيير الفضاء السِّجْني فشلا ذريعا، فبات من اللازم تعويض هذه العقوبة ببدائل تتسق مع ما صدحتْ به التوصيات الدولية الصادرة عن المؤتمرين السادس والسابع للأمم المتحدة للوقاية من الجريمة المنعقدين في كاراكاس وميلانو 1980\1985 المتضمنة ضرورة الانتقال من نظام لا توجد فيه إلا العقوبة السجنية إلى نظام توجد فيه بدائل أخرى لهذه العقوبة، كـ: وقف التنفيذ البسيط ،والوضع تحت الاختبار، والعقوبة المالية،  العمل للمصلحة العامة ، البقاء بالبيت، الوضع تحت المراقبة الالكترونية ، والإقامة الإجبارية، والتدريب الإجباري والحبس الجزئي..إلخ.
لقد كانت الشريعة الإسلامية رائدة و سبَّاقة إلى هذه الخلاصة، والاستخلاص الذي توصل إليه الفكر الجنائي الوضعي أخيرا حيث لم تعتمد العقوبة السجنية كعقوبة مركزية.
 وبخصوص العقوبات الجنائية فلا بد من تخفيفها ومراجعتها حسب طبيعة الجرم و أثره على المجتمع فبقدر ما يلاحظ من ضرورة تخفيفها بالنسبة لأفعال جنائية كانت كبيرة الخطورة في القانون الحالي بقدر ما يلاحظ أن أفعالا أخرى أصبحت تكتسي خطورة تستدعي رفعها من مستوى عقوبة الجنحة إلى عقوبة الجناية ومن هذا القبيل جرائم عنف التظاهر، و التجمهر [المواد:101؛102] التي  تنطوي على عنف لا يصل إلى القتل  وجرائم التحريض، و العقوق [المادة 288]، والفساد المالي، والاختلاس، وحمل السلاح وصناعته و المتاجرة فيه [المادة:290]، وغصب المال [المادة:359]، والقتل في حال عفو أولياء المقتول عن القاتل [المادة:280]،والافتراء [المادة:341]، والقذف والسب و الاهانة [المادة:348]، والتغريب [المادة:307]....إلــخ.
ويستدعي كذلك التشدد في العقوبة عندما يتعلق الجرم بالأطفال والنساء، والفئات الهشة كالمعوقين والعجزة، وتلك المتعلقة بحرية الإنسان وكرامته والاتجار في المخدرات و تلويث البيئة والإرهاب، والعبودبة.
و ما من  شك في أن عقوبة الإعدام التي يتبنى القانون الحالي كعقوبة بدنية مخلة بالشرف مطبقة في مجال الحدود و التعازير و القصاص حيث تكررت هذه العقوبة في 18 مادة من هذا الأمر القانوني ، و يمكن رصدها بصورة بادية في بعض المقتضيات الجنائية الخاصة، فنلحظها في القانون رقم:035-2010 بتاريخ:21-07-2010 المتعلق بالإرهاب المادة:17، والقانون رقم:037-1993 بتاريخ:20-07-1993 المتعلق بالمخدرات المواد:4- 5 -13 التي يكون فيها الإعدام حدًّا لجعله في قالب الحرابة خصوصا في حالة العوْد،أو شدة الظرف، وفي  المادة:92 من قانون البيئة رقم:043-2000 بتاريخ:26-07-2000، وفي المواد:6-7 من قانون الحماية الجنائية للطفل، وفي المادة:74 من القانون رقم:055-2007 بتاريخ:18-09-2007 الذي يحل محل القانون رقم:007-1997 المتضمن مدونة الغابات  إلخ...بات إلغاء هذه العقوبة في الجرائم التعزيرية ضروريا؛ إذ لا يخالف كليات الشريعة، بل هو تمثل أصيل لتخريج فقهي يورده العلامة المرابط محمد الأمين ولد احمد زيدان في النصيحة   ؛ بل إن الفقهاء في هذا البلد قديما جنحوا إلى المقاصد فأفتوا و قضوا: بوجوب الدية في قتل العمد بدل القصاص من الجاني، و بجعلها على عاقلة الجاني، و بإجبار أولياء المقتول على قبولها، و بهذا قضى القاضيان سنبيرُ الأرواني (تـ 1180هـ) و الإمام الكَصري، وبه أفتى الشريف حمى الله التيشيتي المتوفى 1169هـ  الذي قال "إن عليه العمل في هذه البلاد من قديم الزمان" . 
وفي هذا تناغم مع ما نصت عليه المواثيق الحقوقية وعلى الخصوص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الملزم لبلدنا بعد المصادقة و النشر ، و الذي ينص في البند الثاني من المادة:6 منه التي لم تتحفظ عليها موريتانيا على أنه:"لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام ، أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقا للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد..."، كما أن استبدالها وفق ما تقدم من تخريج فقهي رائق أمر سبقت إليه الشريعة ما نصت عليه المادة:6 في بندها الرابع:" و يجوز منح العفو العام أو العفو الخاص أو إبدال عقوبة الإعدام في جميع الحالات".
وعليه لا يعقل أن تكون العقوبة في التعازير بالإعدام، وان كانت فتسقط بمجرد التوبة لأن التعزيز فقها يسقط بمجرد التوبة يقول القَرَافِيُّ: "إن التعزير يسقط بالتوبة وما علمت في ذلك خلافا". 
إن إعمال العفو والمصالحة في جرائم القصاص من شأنه أن يقلص مساحة وجود هذه العقوبة في منظومتنا الجنائية إلى أقصى الحدود وحصرها فقط في مجال الجرائم الحدية التي تطبق فيها عقوبة الإعدام، و هي جرائم حَصْرية ( اللواط، زنى المحصن، الردة، الحرابة) يصعب إثباتها بل يمكن للقاضي أن يُعْمل سلطته التقديرية في بعضها كالحرابة التي تُسْقَطُ بالتوبة، والردة التي تنتفي بها، ويسقط حدُّها بقبول الاستتابة  و إن بقيود معلومة فقها، بل تخضع جميعها (الحدود، و القصاص) من حيث التطبيق إلى مقتضيات السياسة الشرعية كما تقدم في فتوى التيشيتي والكصري.
 وهذا ما أدى بالمشرع  إلى اعتمادا مبدأ التقليل من جزاء الإعدام بل العدول عنه كما في القانون رقم:009-2010 بتاريخ:20-01-2010 المتعلق بالطاقة الذرية ، و القانون رقم: 039-2010 بتاريخ:10-02-2010 المتعلق بالصيدلة ، والتحكم في إعمال عقوبة الإعدام  عن طريق تعليق تنفيذها  على شرط مهمٍّ  تضمنته المادة: 641  من المسطرة الجنائية التي تنص على انه: "إذا كانت العقوبة المحكوم بها هي الإعدام، تُعلم النيابة العامة بها وزير العدل عندما تصبح نهائية. ولا يمكن تنفيذ العقوبة إلا بعد رفض العفو من طرف رئيس الجمهورية"؛ ولهذا مستند فقهي مالكي رائق، يقول الإمام القرطبي:" لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن اللّه سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود" . إن هذا  يجعل التنفيذ من الناحية الواقعية اليوم منعدما لعدم صدور رفض طلب العفو؛ و هنا ينبغي أن يكون تقديم طلب العفو بعد تصديق المحكمة العليا في غرفها المجمعة للحكم المُدين.
و ليس في هذا إغفال ولا التفاف على مقاضيات الشريعة، وإنما هو حرص على صون الحياة التي جعل القصاص لها حاميا لقول الله: "ولكم في القصاص حياة"، ومن معانيها ومراميها منع إزهاق نفس أخرى بغير حق (الردع العام). 
3- مجال المصطلحات و الاطلاقات؛ يستخدم  الأمر القانوني الحالي مجموعة من الاصطلاحات التي تؤثر فيها أحيانا الترجمة والممارسة وهو ما يحتاج إلى إعادة توحيد تلك الاطلاقات التي تؤثر على المعالجة التشريعية للجريمة وتفرغ العقوبة من محتواها، وفي هذا المجال يستوقفنا مدلول السجن المؤبد، وسن القصور ، والتمييز ، والمنع من الإقامة ، والاغتصاب، والدية ، و جمعية أشرار...والافتراء،أو البلاغ الكاذب، والاختطاف ،و التجمهر،و القذف، والسكر العلني، والنشل، انتهاك حرمات الله.. الخ ، ويكفي هنا للتدليل على ما ذكر هنا أن نأتي بأمثلة:
أولها: إطلاق السجن المؤبد وهو إطلاق يتردد بسبب الترجمة بين الأعمال الشاقة المؤبدة وعقوبة السجن المؤبد التي لا وجود لها في منظومتنا الجنائية، فنجد [المادة: 147 ق ح ج ط ] تنص على انه إذا كانت العقوبة المستحقة السجن المؤبد، فلا يمكن النطق بعقوبة تزيد على اثني عشرة سنة من السجن المشدد"، ورغم الفارق بين هذا النص وترجمته [Si la peine encourue est la réclusion  a perpétuité Ile ne peuvent prononcer une peine supérieure a 12 ans de réclusion  criminelle] إلا إننا نجزم أن هذه المادة تعني عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة les travaux forcés à perpétuité ،التي تعتبر عقوبة جنائية بدنية مخلة بالشرف طبقا للمواد:1-6- 7،  من قانوننا الجنائي، ويؤيد هذا الفهم مدلول النسخة الفرنسية، فإذا راجعنا معنى réclusion  criminelle في معجم DALLOZ القانوني \2010 نجد أن معناها حبس جنائي مع أشغال شاقة مؤبدة،  بالإضافة إلى انه لا وجود لعقوبة السجن المؤبد أو المشدد بهذا اللفظ في منظوماتنا الجنائية طبقا للمواد:6-7 من القانون الجنائي كعقوبة أصلية  Peine Principale  منفردة، وهذا المشكل يثور أكثر عندما نلاحظ أن المشرع اعتمد السجن المؤبد كعقوبة قصوى كذلك في القانون 042-2007 بتاريخ:03-09-2007 المتعلق بالوقاية والتكفل ومراقبة فيروس فقد المناعة المكتسبة السيدا في المواد:23؛24؛26 بدل الإعدام لكنه استخدم عبارة السجن المؤبد réclusion  criminelle a perpétuité والتي تعني غالبا الأعمال الشاقة المؤبدة لكنه عدل عن هذا المعنى صراحة حين اعتمد في الترجمة الفرنسية مصطلحL emprisonnement a vie  وهو ما يؤكد لنا أن المقصود صراحة هو السجن مدى الحياة أو المؤبد، والأشغال الشاقة المؤبدة التي يستخدم القانون الجنائي بدل السجن المؤبد مع الإشارة إلى أن القانون الجنائي الحالي وسابقه أي القانون رقم:158-1972 يطلق على الأعمال الشاقة المؤبدة les travaux forcés à perpétuité الذي لا نجده في قانون الحماية الجنائية للطفل والقانون المتعلق بالسيدا وعليه تكون هذه القوانين اعتمدت عقوبة لا وجود لها في تصنيف العقوبات المنصوص عليه في المادة:7 من القانون الجنائي الحالي  سواء اعتمدنا نصها العربي أو ترجمتها الفرنسية.
ثانيها:عقوبة المنع من الإقامة وقد ترجمت في القانون الجنائي ب:L interdiclion de séjour  ، و وردت كذلك كعقوبة أصلية في المواد 11؛16 من قانون المخدرات، و يعرفها القانون الجنائي في المادة: 41 منه تعريفا يفهم منه غالبا معنى الإبعاد من أراضي الجمهورية ، وقليلا منع الإقامة في مجال معين من مجالات التراب الوطني، وهو ما أوقع اليوم في إشكال الممارسة باعتماد المعنى الغالب في أحكام القضاء الموريتاني، ويشتد الأمر تعقيدا حين نعلم أن المشرع نص في المواد المتعلقة بالتشرد والتسول على انه أن يبعد المتسول أو المتشرد الأجنبي من على ارض الجمهورية وذلك بأمر من المحكمة  [ المادة:253] فهل المقصود هنا المنع من الإقامة  الذي يمكن أن يحكم به في مادة الجنح طبقا للمواد:42؛43؛44 من القانون الجنائي أو أن المقصود هو ما نصت عليه المادة:253 منه صراحة، خصوصا أن المادة المتعلقة بالمنع من الإقامة لم تفرق بين الأجنبي و المواطن، بل إننا نجد المشرع يستعمل مصطلح الطرد وإنْ يكنْ بمقتضى إداري كما هو الحال في المادة:5 من مرسوم:172-86 المتعلق بالمشروبات الكحولية ومنع تداولها على التراب الوطني، وبهذا نجد المشرع يستعمل بتردد مصطلح المنع من الإقامة، والإبعاد، والطرد.
ثالثها: عقوبة الدية [ La DIYA] والتي يعتبرها القانون الجنائي الدية "عقوبة" وهو احد الاجتهادات الفقهية التي تبين فيما بعد رجحانها (اليوم) إذ الغالب الأصح اعتبارها تعويضا مدنيا لصريح الآية "وما كان لمومن أن يقتل مؤمنا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة و دية  مسلمة إلى أهله إلا أن يصدَّقوا..": الآية 92 سورة النساء " و قد وردت هذه العقوبة تباعا في المواد:213؛285؛286؛287؛294؛295؛296؛413 من القانون الجنائي، وإن لم يكن هذا هو حال القانون 158- 1972 المعدَّل بالقانون الجنائي الحالي إذ نجد المشرع حينها يستعمل عبارة REPARATIONS CIVILES أي التعويض المدني، و مما يعزز القول بان الدية ليست عقوبة أنها لم ترد في تصيف العقوبات المخصصة للجنايات الوارد في المادة:7 من القانون الجنائي وان وردت كعقوبة مطبقة في المواد الآنفة.
إن الأمر يتطلب إجلاء هذه المسائل التي ينضاف إليها ضرورة توحيد المصطلحات الواردة في الترسانة الجنائية والتي يمكن أن نضرب مثالا على تنافرها من حيث الاطلاقات المستخدمة  على جريمة القذف، و الافتراء والسب الاهانة الواردة في القانون الجنائي المادة:348 ؛349 و ونفس الجريمة كما وردت في قانون الصحافة  المواد:37؛39؛40؛41  سنجد تباينا واضحا في الترجمة واستخدام المصطلحات حين يطلق هذا القانون مصطلح الافتراء  La diffamationمرة ونجده في أخرى يطلق مصطلح القذف La calomnie ومعروف ما بين المدلولين من افتراق.
وبشكل أكثر إلحاحا لا بد من مراجعة النص الجنائي لتوضيح مدلول القُصُور وسنِّه فبالاطلاع على المقتضيات المنظمة له يتشتت الذهن بين المواد:61،62 التي صنفت مجاله معتمدة قاعدة التمييز الفقهية ، والمادة الأولى من قانون الحماية الجنائية للطفل التي اعتمدت معيار البلوغ 18 سنة  وبين مقتضيات متناثرة في القانون الجنائي كالمادة:334 منه التي  اكتفت بالتعبير بالقول "إذا خطف قاصر يبلغ من العمر 18 سنة وفي هذا ضبابية في مصير الطفل الذي لم يكمل 18 سنة ميلادية كاملة لغياب المقتضيات التي تنص على ذلك، لقد أمكن للمشرع المغربي تجاوز هذه العقبة بالتنصيص بعبارة إذا خطف قاصر دون الثامنة عشر، كما أن التنصيص على ذلك يحول دون إنزال عقوبة الإعدام على الطفل الذي لم يكمل 18 سنة ميلادية (شمسية) وهو ما نَحَتْهُ استئنافية نواكشوط الغربية في آخر قراراتها المتعلقة باستئناف الحكم رقم:025-2016 الصادر عن المحكمة الجنائية بنواكشوط الجنوبية القاضي بسجن المتهم القاصر 12 سنة حيث ألغت الحكم المستأنف وحكمت على المتهم القاصر بالإعدام.
وكخلاصة فان مراجعة القانون الجنائي اليوم تشكل مطلبا ملحًّا ليس فقط  من اجل إشباع نَهَمِ "المُشَرِّعين". وإنما لضرورة اجتماعية وهو ما لا يمنع تعزيز وسائل الضبط الأخرى المتمثلة في الأمن الاجتماعي،  الذي يلعب دورا لا يقارن بالاعتماد فقط على مقتضيات القانون الجنائي الرادعة التي يتطلب إعمالها وتطبيقها درجة كبير من الحيطة والتَّعقُّل تكون دوْمًا معها الحقوق في خَطر، لان إعمالها يعتمد بالأساس على الإنتاج البشري في الفهم والممارسة والوسائل، وهو ما يتطلب مراجعتها كل حين.
 إن هذه المراجعة ستُسْهِم في جمع شَتات المنظومة الجنائية و أنْسَنَتِها وإعمال المواءمة مع المقتضيات الدولة التي صادقت عليها موريتانيا والتي يحتوي القانون الحالي على كثير من المقتضيات التي تتناقض معها صراحة و التي يمكن تجاوزها دون أن نصطدم بالمبادئ الإسلامية المدسْترة التي تعطي لقانوننا الجنائي خصوصية ورونقا و أناقة مشهودة، وذلك بتوسيع نطاق الاستفادة من الموروث الاجتهادي الإسلامي وهو ما اتجه إليه المشرع حين أحال في [المادة:449] ، منه على الشريعة الإسلامية وليس المذهب المالكي كما هو الحال في مدونة الأحوال الشخصية ، والقانون المدني، ومدونة التجارة.
كما أن هذه المراجعة ستُفضي إلى الاستفادة من قاعدة التَّعازير في الفقه الإسلامي التي تركت للاجتهاد دون التنصيص عليها والتي تعطينا فضاء واسعا للتحرك سواء في نطاق التجريم أو العقاب وإيجاد البدائل العقابية المناسبة والتناغم مع المبادئ الإنسانية الكونية.
و ستعزز مبدأ الشرعية بتقنين مضامين مادة الإحالة: المادة:449 من القانون الجنائي، التي تترك الباب مفتوحا أمام فوضى العقاب على الأقل.
إن هذه المراجعة فرصة مهمة لمواءمة القانون الوطني مع لاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها موريتانيا ومن ضمنها الاتفاقيات الدولية الشَّارعة لحقوق الإنسان التي نشرت منها تسعا في الجريدة الرسمية رقم:1326 عن طريق إدراجها في الترسانة القانونية الوطنية، وعلى الخصوص تلك المقتضيات التي تتعارض صراحة مع قانوننا الجنائي في شقيه الإجرائي والموضوعي كالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب والبروتوكول الاختياري الملحق بها والتي تتعارض بعض مقتضياتها مع المواد:57؛58 من قانون المسطرة الجنائية، كالاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تتعارض بعض مقاضياتها مع القانون الجنائي بشكل واضح لا يحتاج إلى مثال.
  ولا شك أن هذه المراجعة ستسهم في الحد من التدخل الجنائي عن طريق سن القوانين الجنائية الخاصة لأنه في كل نص جنائي جديد تدخل سافر في مجال الحرية لا يسلم من عواقبه حتى أولئك الذين جوروا لاهثين إلى استصداره. 
انتهى.
انواكشوط.9 اكتوبر2017