أخبار الساحل تنشرتقريرمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة: حالة الأمن الغذائي والتغذية فى العالم 2017

سبت, 09/16/2017 - 10:00

هناك أكثر من ما يكفي من الأغذية المنتجة في العالم لإطعام الجميع، ولكن لا زال يوجد 815مليون شخص يعانون من الجوع.من أكبر التحديات التي يواجهها العالم هو كيفية ضمان ما يكفي من الغذاء لتلبية الاحتياجات التغذوية لعدد سكان العالم المتزايد - المتوقع أن يرتفع إلى حوالي 10 مليار بحلول عام 2050. ولإطعام مليارين آخرَين في عام 2050، سيتعين زيادة إنتاج الأغذية بنسبة 50 في المائة على الصعيد العالمي. إن الأمن الغذائي حالة معقدة تتطلب نهجا شاملا إزاء جميع أشكال سوء التغذية، وإنتاجية ودخل صغار منتجي الأغذية، ومرونة نظم إنتاج الأغذية، والاستخدام المستدام للتنوع البيولوجي والموارد الوراثية.

ازدياد الجوع في العالم

بعد أن تراجع بشكل مطرد لأكثر من عقد من الزمان، يبدو أن الجوع العالمي آخذ في الارتفاع، مما يؤثر على 11 في المائة من سكان العالم.

بالإضافة إلى الزيادة في نسبة سكان العالم الذين يعانون من الجوع المزمن (انتشار نقص التغذية)، وزاد عدد ناقصي التغذية على كوكب الأرض أيضا إلى 815 مليون نسمة، مقابل 777 مليون نسمة في عام 2015.

وتأتي هذه الأخبار في نفس العام الذي ضربت فيه المجاعة أجزاء من جنوب السودان لعدة أشهر في عام 2017، كما تم تحديد أوضاع انعدام الأمن الغذائي المعرضة لخطر التحول إلى المجاعات في البلدان الأخرى المتضررة من النزاع، وهي نيجيريا والصومال واليمن.

وقد تدهورت حالة الأمن الغذائي بشكل واضح في أنحاء من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق وغرب آسيا، كما هو مفصل في القسم 1 من هذا التقرير. ولوحظت حالات التدهور على الأخص في حالات نشوب النزاع، التي كثيراً ما تفاقمت بسبب الجفاف أو الفيضانات )المرتبطة جزئيا بظاهرة النينيو(.

وفي السنوات العشر الماضية، ازداد عدد النزاعات العنيفة في العالم بشكل كبير، وأصاب المجتمعات الريفية بشكل حاد ولها تأثيرا سلبيا على إنتاج الأغذية وتوافرها.

وقد تدهورت الحالة أيضاً في بعض الأماكن السلمية، ولا سيما تلك المتضررة من التباطؤ الاقتصادي. وقد عانى عدد من البلدان، التي تعتمد اعتمادا شديدا على صادرات السلع الأساسية، من انخفاض حاد في عائدات الصادرات والإيرادات المالية في السنوات الأخيرة، مما أثر على توافر الأغذية بسبب انخفاض القدرة على الاستيراد، وعلى الوصول إلى الأغذية بسبب انخفاض الإمكانيات المالية لحماية الأسر الفقيرة من ارتفاع أسعار الأغذية المحلية.

وقد تدهورت الحالة أيضاً في بعض الأماكن السلمية، ولا سيما تلك المتضررة من التباطؤ الاقتصادي. وقد عانى عدد من البلدان، التي تعتمد اعتمادا شديدا على صادرات السلع الأساسية، من انخفاض حاد في عائدات الصادرات والإيرادات المالية في السنوات الأخيرة، مما أثر على توافر الأغذية بسبب انخفاض القدرة على الاستيراد، وعلى الوصول إلى الأغذية بسبب انخفاض الإمكانيات المالية لحماية الأسر الفقيرة من ارتفاع أسعار الأغذية المحلية.

العبء المتعدد لسوء التغذية

غير أن الاتجاه المثير للقلق في مؤشرات قصور التغذية لا ينعكس في النتائج التغذوية. وتشير الأدلة بشأن مختلف أشكال سوء التغذية )المبينة أدناه) إلى استمرار الانخفاض في انتشار تقزم الأطفال، كما يتضح من المعدلات العالمية والإقليمية. ومع ذلك، لا يزال التقزم يؤثر على واحد تقريبا من كل أربعة أطفال دون سن الخامسة، مما يزيد من خطر ضعف القدرة المعرفية، وضعف الأداء في المدرسة والعمل، والوفاة بسبب العدوى. وفي الوقت نفسه، لا تزال أشكال سوء التغذية المختلفة تبعث على القلق في جميع أنحاء العالم. فإن زيادة الوزن بين الأطفال دون سن الخامسة قد أصبحت مشكلة في معظم المناطق، ولا تزال البدانة لدى البالغين ترتفع في جميع المناطق. وبالتالي هناك أشكال متعددة متزامنة من سوء التغذية، حيث تشهد البلدان معدلات عالية من قصور التغذية لدى الأطفال والبدانة لدى البالغين في الوقت نفسه.

وتتزامن حالياً حالات نقص التغذية والوزن الزائد وما يرتبط بها من أمراض مزمنة غير معدية في العديد من المناطق، والبلدان، وحتى الأسر. ويرد أدناه وصف لستة مؤشرات للتغذية – ثلاثة منها تشكّل جزءا من إطار رصد أهداف التنمية المستدامة، وثلاثة تشير إلى الأهداف التغذوية العالمية التي وافقت عليها جمعية الصحة العالمية – لفهم العبء المتعدد لسوء التغذية الذي يؤثر على جميع المناطق في العالم.

 

التقزم لدى الأطفال دون سن الخامسة

في حين يبدو أن انتشار تقزم الأطفال آخذ في التناقص بالنسبة للمتوسط العالمي والإقليمي، فوفقاً لآخر التقديرات لعام 2016 ، يعاني 155 مليون طفل دون سن الخامسة، في جميع أنحاء العالم، من توقف النمو، مما يزيد من خطر ضعف القدرة المعرفية، وضعف الأداء في المدرسة والعمل، والوفاة بسبب العدوى. وعلى الصعيد العالمي، انخفض معدل انتشار التقزم من 29.5 في المائة إلى 22.9 في المائة بين عام 2005 و 2016 

وفي الفترة من 2005 إلى 2016 ، حققت معظم المناطق تخفيضات في معدلات التقزم، مع أسرع تحسن في آسيا (ولا سيما في شرق ووسط آسيا) وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. كما انخفض انتشار التقزم في جميع المناطق الإقليمية الفرعية في أفريقيا، ولكن بمعدل أبطأ بكثير. وفي الواقع، لم يواكب معدل انخفاض التقزم في أفريقيا الزيادة السكانية، مما أدى إلى ارتفاع في عدد الأطفال الذين يعانون من التقزم بشكل عام.

الهزال لدى الأطفال دون سن الخامسة

في عام 2016 ، أصاب الهزال 7.7 في المائة من الأطفال دون سن الخامسة في جميع أنحاء العالم. ويعاني حوالي 17 مليون طفل من الهزال الشديد. ويتميز جنوب آسيا بارتفاع معدل انتشار الهزال بنسبة 15.4 في المائة – أي أعلى بكثير من أي إقليم فرعي آخر. كما أن جنوب شرق آسيا بعيد عن الهدف المحدد، بمعدل نسبته 8.9 في المائة. وفي حين أن معدل الانتشار أقل إلى حد ما في أفريقيا، فإنه لا يزال أعلى من مقصد التغذية العالمي

زيادة الوزن لدى الأطفال دون سن الخامسة

تشكل زيادة الوزن في مرحلة الطفولة مشكلة متزايدة في معظم الأقاليم. ففي عام 2016 ، كان هناك حوالي 41 مليون طفل دون سن الخامسة في العالم، يعانون من الوزن الزائد، مقارنة بنسبة 5 في المائة في عام 2005

باستثناء أفريقيا الغربية، وأمريكا الجنوبية، وشرق آسيا فقط، حيث سجلوا انخفاضات قليلة بين عام 2005 و 2016، وشرق أفريقيا حيث ظل معدل الانتشار ثابتا، وسجلت جميع المناطق الأخرى زيادات في انتشار الوزن الزائد في مرحلة الطفولة، وكان أسرعها في جنوب شرق آسيا وأوسيانيا.

البدانة لدى البالغين

البدانة لدى البالغين لا تزال في الارتفاع في كل مكان، وتمثل عامل خطر رئيسي للأمراض غير المعدية، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية، وداء السكري، وبعض أنواع السرطان.

وزاد معدل انتشار البدانة على الصعيد العالمي بأكثر من الضعف بين عامي 1980 و 2014 . وفي عام 2014 ، كان أكثر من 600 مليون بالغ من البدانة، أي ما يعادل حوالي 13 في المائة من سكان العالم البالغين.

وعلى الرغم من تباين المشكلة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم ، فإن المشكلة أكثر شدة في أمريكا الشمالية، وأوروبا، وأوسيانيا، حيث يصنف 28 في المائة من البالغين على أنهم يعانون من البدانة، مقارنة بنسبة 7 في المائة في آسيا و 11 في المائة في أفريقيا. ويعتبر حالياً أن حوالي ربع السكان البالغين في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي يعانون من البدانة. وتاريخياً، كان انتشار البدانة لدى البالغين أقل بكثير في أفريقيا وآسيا. ولكن في الآونة الأخيرة، انتشرت البدانة بسرعة بين أجزاء كبيرة من السكان في هذه المناطق أيضاً. وبالتالي، في حين أن البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط لا تزال تواجه مستويات عالية من نقص التغذية وانتشار الأمراض المعدية، فإنها تعاني الآن من عبء متزايد من الأشخاص الذين يعانون من الوزن الزائد والبدانة، وزيادة بعض الأمراض غير المعدية مثل داء السكري.

فقر الدم لدى النساء في سن الإنجاب

تشير أحدث التقديرات لعام 2016 إلى أن فقر الدم يؤثر على 33 في المائة من النساء في سن الإنجاب على الصعيد العالمي (حوالي 613 مليون امرأة تتراوح أعمارهن بين 15 و 49 سنة). ويتجاوز معدل الانتشار 35 في المائة في أفريقيا وآسيا. وأدنى نسبة له هي في أمريكا الشمالية، وأوروبا، وأوسيانيا (أقل من 20 في المائة).

التقدم المحرز في خفض معدل انتشار فقر الدم لدى النساء في سن الإنجاب إلى النصف بحلول عام 2025 . ولا يزال حتى الآن بعيداً عن المسار المحدد.

مستويات الرضاعة الطبيعية الخالصة

يزيد عدد النساء اللاتي يرضعن أطفالهن فقط من لبن الأم أكثر من أي وقت مضى، مما يوفر حجر الزاوية الحاسم لبقاء الطفل ونمائه. وعلى الصعيد العالمي، كان هناك 43 في المائة من الرضع الذين تقل أعمارهم عن ستة أشهر تم إرضاعهم رضاعة طبيعية خالصة في عام 2016 ، مقابل 36 في المائة في عام2015

ويقدر أن يكون له أكبر أثر وقائي وحيد على وفيات الأطفال، يمكن لتحسين معدلات الرضاعة الطبيعية أن يحول دون وفاة 000 820 طفل، و 000 20 وفاة إضافية بين الأمهات متصلة بمرض السرطان، كل عام. وعلاوة على ذلك، فالرضاعة الطبيعية تقلل من خطر الوزن الزائد والبدانة في وقت لاحق من الحياة بنسبة 26 في المائة.

الجزء 3

نحو فهم متكامل للأمن الغذائي والتغذية

قد يكون من الصعوبة فهم الوضع الذي يواجه فيه الأمن الغذائي الخطر على المستوى العالمي في حين تنخفض فيه مستويات قصور التغذية (التقزّم) لدى الأطفال، وتزداد فيه مستويات البدانة لدى البالغين، وهناك عدد من التفسيرات المحتملة.

الأمن الغذائي هو أحد المحدد الوحيد للنتائج التغذوية، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال. وتشمل العوامل الأخرى: المستوى التعليمي للمرأة؛ والموارد المخصصة للسياسات والبرامج الوطنية المتعلقة بتغذية الأمهات والرضع وصغار الأطفال؛ والحصول على المياه النظيفة؛ والمرافق الصحية الأساسية والخدمات الصحية الجيدة؛ ونمط الحياة؛ وبيئة التغذية؛ والثقافة.

وبصفة خاصة في البلدان ذات الدخل المرتفع والمتوسط، فإن انعدام الأمن الغذائي و غالبا ما يتعايشا معا - حتى في نفس المنزل. ففي الوقت الذي تصبح فيه الموارد الغذائية نادرة غالباً ما يختار الناس تناول أطعمة أقل تكلفة، وأقل صحة، وأكثر كثافة من ناحية الطاقة، وهي خيارات يمكن أن تؤدي إلى أن يعاني الناس من الوزن الزائد والبدانة بسبب تقلص سبل حصولهم على الغذاء الصحي.

بالإضافة إلى إمكانية ارتباط انعدام الأمن الغذائي وضعف التغذية أثناء الحمل والطفولة بالتكيفات الأيضية التي تزيد من خطر البدانة وما يرتبط بها من أمراض مزمنة غير معدية في مرحلة البلوغ.

أخيراً وليس آخراً، أدت التغيرات في الأنماط والنظم الغذائية إلى زيادة استهلاك الأغذية المجهزة بشكل كبير في عدة دول. كما أن الأغذية العالية التجهيز التي يسهل الوصول إليها والتي تحتوي على نسبة عالية من الدهون والسكر والملح، وتبتعد عن النظم الغذائية التقليدية نحو الأغذية المجهزة، تساعد على تفس ر تواجد أشكال متعددة من سوء التغذية في نفس الوقت داخل المجتمعات والأسر نفسها.

ينبغي إجراء المزيد من التقييمات الخاصة بالسياق لتحديد الروابط بين الأمن الغذائي والتغذية لدى الأسر والأسباب الكامنة وراء التباين الواضح في أحدث اتجاهات الأمن الغذائي والتغذية.

غير أن هذه التقديرات تشكل، عموماً، تحذيراً بأن التوصل إلى عالم خال من الجوع وسوء التغذية بحلول عام 2030 سيشكل تحدياً، وأن تحقيق ذلك الهدف سيتطلب التزاما مستمرا وجهودا لتعزيز توافر الأغذية المغذية والحصول عليها بشكل كاف.

الجوع وسوء التغذية والنزاعات: علاقة معقدة

من أصل 815 مليون شخص في العالم يعانون من إنعدام الأمن الغذائي وقصور التغذية المزمن، فإن الغالبية العظمى - 489 مليون شخص يعيشون في البلدان المتضررة من النزاعات.

وهذه النسبة أكثر وضوحا في مجال نقص التغذية لدى الأطفال. بالفعل، يعيش 122 مليون طفل تقريبًا، أو 75 في المائة من الأطفال دون الخامسة من عمرهم المصابين بالتقزّم في بلدان تعاني من نزاعات، حيث يبلغ متوسط الفرق في انتشار التقزّم بين البلدان المتأثرة وغير المتأثرة بالنزاعات تسع نقاط مئوية.

وتظهر الارتباطات البسيطة مستوياتٍ أعلى من انعدام الأمن الغذائي المزمن والحادّ في البلدان المتأثرة بالنزاعات. ففي عام 2016 ، كان المتوسط غير المرجّح لانتشار قصور التغذية في البلدان المتأثرة بالنزاعات أعلى بحوالي ثماني نقاط مئوية مّما كان عليه في البلدان غير المتأثرة بالنزاعات.

رغم تراجع تواتر الحروب في العقود الأخيرة من الزمن وصولاً إلى أدنى مستوياته على الإطلاق عام 2005 ، ارتفع مؤخراً عدد النزاعات العنيفة وحالات الوفاة المتصلة بها. وقد ازدادت النزاعات العنيفة بشكل كبير منذ عام 2010 ، وهي حالياً عند أعلى مستوى لها من أي وقت مضى، مما يبعث على القلق من أن الاتجاهات الحالية من المرجح أن تستمر على مدى السنوات المقبلة

وأمّا النزاعات غير القائمة بين الدول -أي القائمة بين مجموعتين مسلحتين منظمتين لا تكون الحكومة أو الدولة طرفاً فيها -فقد ازدادت بنسبة 125 في المائة منذ عام 2010 ، وتفوّقت بذلك على أنواع النزاعات الأخرى كافة. كذلك، ازدادت النزاعات القائمة في الدول بأكثر من 60 في المائة خلال الفترة ذاتها.

كما أن الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية باتت تفوق اليوم، من حيث عددها، النزاعات القائمة بين الدول أو النزاعات الخارجية بين الدول. وبعبارةٍ أخرى، جرى تحوّل من نزاع بين الدول إلى نزاع في داخلها. وفيما تصبح النزاعات الداخلية أكثر بروزاً، يتزايد احتمال تدخل الأطراف الخارجية أو تعرّضها لآثار العنف، فتتحوّل النزاعات المحلية إلى نزاعات إقليمية أو قارية حتى.

يشكل النزاع عاملاً أساسياً لنزوح السكان، فيصبح هؤلاء النازحون من بين الأكثر ضعفاً في العالم إذ يعانون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي ونقص التغذية. وقد ارتفع عدد اللاجئ ن والمهجرين داخلياً بشكل كبير في ظل تزايد عدد النزاعات، حيث أنه تضاعف بين عامي 2007 و 2016 وبلغ حوالي 64 مليون شخص. وحالياً، بات شخص واحد من كل 113 شخصاً إمّا لاجئاً، أو نازحاً داخلياً، أو طالب لجوء. فالصراع والعنف يسببان انعدام الأمن الغذائي في المجتمعات المضيفة ويطيلان منه. فعلى سبيل المثال، دفعت الحرب الأهلية في الجمهورية العربية السورية أكثر من 6 ملايين شخص إلى الفرار من ديارهم إلى مواقع أخرى داخل البلد و 5 ملايين آخرين إلى البلدان المجاورة. ينفق النازحون اليوم ما يزيد عن 17 عاما في المخيمات أو المجتمعات المضيفة.

في حين لا تتمتع الدولة، أو النظم الاجتماعية والاقتصادية و/أو المجتمعات المحلية بالقدرات اللازمة للوقاية من حالات النزاع، أو التعامل معها أو إدارتها، تتركّز الآثار الأكثر وطأة في صفوف السكان الأشدّ فقراً والقطاعات الأكثر ضعفاً.

يعيش في المتوسط 56 في المائة من السكان في البلدان المتأثرة بالنزاعات في المناطق الريفية حيث تعتمد سبل كسب العيش إلى حدّ بعيد على الزراعة. وبالفعل، تؤثر النزاعات سلباً على كل جانب تقريباً من جوانب الزراعة والنظم الغذائية، بدءاً من الزراعة، والحصاد، ومروراً بالتجهيز والنقل وصولاً إلى الإمداد بالمدخلات، والتمويل والتسويق. وفي العديد من البلدان المتأثرة بالنزاعات، ما زالت زراعة الكفاف تحتل أهمية جوهرية بالنسبة إلى الأمن الغذائي لجزء كبير من السكان. في العراق، على سبيل المثال، قبل النزاع، كانت محافظتا نينوي وصلاح الدين تنتجان ما يقارب 33 في المائة من الإنتاج الوطني للقمح و 38 في المائة من الشعير. وبحسب تقييم أُجري في فبراير/شباط 2016، تعرّض 70 إلى 80 في المائة من محاصيل الذرة والقمح والشعير إلى الضرر أو التلف في صلاح الدين، بينما تعرّض 32 إلى 68 في المائة من الأراضي في نينوي، التي كانت تُستخدم عادة لزراعة القمح، إلى الخطر أو التلف، إضافةً إلى نسبة تتراوح بين 43 و 57 في المائة من زراعة الشعير.

ويشكل جنوب السودان مثالاً واضحاً عن الآثار المدمّرة للنزاعات على النظم الزراعية والغذائية، وكيفية تفاقمها بفعل عوامل أخرى، بما في ذلك الصحة العامة، بما يفضي إلى تقويض سبل كسب العيش وتوليد دوّامة من انعدام متزايد في الأمن الغذائي وسوء التغذية في ا تشتد حمى النزاعات .

وتتضاعف مشاكل الانعدام الحاد في الأمن الغذائي وسوء التغذية حين تفاقم الأخطار الطبيعية، مثل موجات الجفاف والفيضانات، نتائج النزاعات. ومن المرجح أن يزداد تزامن النزاعات والكوارث الطبيعية المتصلة بالمناخ في ظل تغيّ المناخ، على اعتبار أنّ تغير المناخ لا يزيد فقط المشاكل المتصلة بانعدام الأمن الغذائي والتغذية فحسب، إنما يساهم أيضاً في توليد دوّامة من النزاعات، والأزمات الممتدة والهشاشة المستمرة.

وفي بعض الحالات يُعزى السبب الرئيسي للنزاعات إلى منافسة على الموارد الطبيعية.

وفي الواقع، قد حُدد التنافس على الأرض والمياه المنتجة كعامل مسبّب للنزاعات، سيما أن خسارة الأرض وموارد كسب العيش، وتفاقم أوضاع العمل وتدهور البيئة هي عوامل تؤثر سلباً على سبل كسب عيش الأسر والمجتمعات المحلية وتهدّدها بالخطر. وتقدّر المصادر أنه منذ 60 عاماً، ارتبط 40 في المائة من الحروب الأهلية بالموارد الطبيعية. بالفعل، ومنذ عام 2000 ، نشب 48 في المائة من النزاعات الأهلية في أفريقيا، في سياقات حيث يتّسم الحصول على الأراضي الريفية بأهمية أساسية بالنسبة إلى سبل كسب عيش العديدين، وحيث اضطلعت القضايا المتصلة بسبل كسب العيش بدور كبير في 27 من أصل 30 نزاعاً.

ولذلك، فإن الصراع، لا سيما عندما يصاحب ذلك تغير المناخ، يشكل عاملاً رئيسيًا يف سّ الانعكاس الواضح في الاتجاه التنازلي الطويل الأجل على مستوى الجوع في العالم، الأمر الذي يطرح تحدياً كبيراً للقضاء على الجوع وسوء التغذية. بحلول عام 2030. لن ينتهي الجوع وجميع أشكال سوء التغذية بحلول عام 2030 ما لم تعالج جميع العوامل التي تقوض الأمن الغذائي والتغذية.

يمكن أن تكون آثار النزاعات على نظم الأغذية حادة، خاصة إذا اعتمد الاقتصاد وسبل كسب عيش السكان إلى حدّ كبير على الزراعة. حيث تقوّض القدرة على الصمود وغالباً ما ترغم الأفراد والأُسر على الانخراط في استراتيجيات تأقلم مدمّرة لا رجوع فيها، تهدّد سبل كسب عيشهم وأمنهم الغذائي وتغذيتهم في المستقبل. يمكن أن يصبح انعدام الأمن الغذائي بحدّ ذاته سبباً باعثاً إلى العنف وعدم الاستقرار، وبخاصة في سياقات تطبعها أوجه منتشرة من اللامساواة والمؤسسات الضعيفة. ولذلك، فالتدخلات المراعية للنزاعات والحسنة التوقيت الرامية إلى تحسين الأمن الغذائي والتغذية قادرة على المساهمة في إدامة السلام.

سوء التغذية والنزاعات في مجال الأمن الغذائي: بعض دراسات الحالة القطرية

كارثة إنسانية على نطاق واسع: حالة جنوب السودان

أدى الصراع في جنوب السودان إلى كارثة إنسانية على نطاق واسع: فقد أعلنت المجاعة في أجزاء من ولاية الوحدة العليا في شباط / فبراير 2017، وعانى أكثر من 4.9 مليون شخص (أكثر من 42 في المائة من السكان) من انعدام الأمن الغذائي الشديد.حصول على الأغذية بفعل زيادات حادة في الأسعار، حيث أن النقص في الأغذية، وانخفاض قيمة العملة وتكاليف النقل المرتفعة بسبب انعدام الأمن الغذائي على طول الطرقات التجارية الرئيسية جميعها عوامل تؤدي إلى التضخم. وقد بلغ معدل التضخم ذروته من عام لآخر عند نسبة 836 في المائة في أكتوبر/تشرين الأول 2016. كذلك، إن غياب الوصول المادي والمالي إلى الأغذية يحدّ من استهلاك الأغذية على المستوى الفردي والأسري، حيث تهبط مداخيل العمل الحقيقية والأسعار النسبية للثروة الحيوانية بشكل كبير. وفي هذه الأثناء، أفضى العنف وانعدام الأمن الغذائي إلى استنفاد وخسارة الأصول مثل الثروة الحيوانية والمصادر الغذائية الرئيسية للأسر كالمحاصيل الموجودة ومخزونات الحبوب وفي المناطق الأكثر تأثراً، تُستخدَم الأغذية كسلاح حرب، حيث أن الحصار التجاري والتهديد الأمني يتركان السكان معزولين في مستنقعات، وغير قادرين على الحصول على الأغذية أو الرعاية الصحية. كما أن وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأشد تضرراً محدودٌ، خاصة وأن الفصائل المتقاتلة تعيق عمداً وصول الأغذية في حالات الطوارئ، وتعترض الشاحنات التي تنقل المعونة الغذائية وتقتل عمّل الإغاثة. وقد أفضت حالة عدم حماية المدنيين من العنف إلى 1.9 مليون نازح في الداخل وأكثر من 1.26 مليون لاجئ خسروا سبل كسب عيشهم وباتوا يعتمدون على الدعم في استمراريتهم.

اليمن: عندما تهدد الأزمة الممتدة التغذية والصحة

حتى مارس/آذار 2017 ، كان ما يُقدّر بـ 17 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي ويحتاجون إلى مساعدة إنسانية طارئة. وهذا يمثل 60 في المائة من مجموع السكان - وهي زيادة بنسبة 20 في المائة مقارنة بيونيو/حزيران 2016 ، وزيادة بنسبة 47 في المائة مقارنة بيونيو/حزيران 2015 . وقد طرح نقص التغذية المزمن لدى الأطفال (التقزّم) مشكلة جدية لفترة طويلة، في حين بلغ نقص التغذية الحاد (الهزال) ذروته في السنوات الثلاثة الأخيرة. وقد تمثّل أحد المسارات الرئيسية للآثار في الأزمة على نطاق الاقتصاد الناجمة عن النزاع والتي تؤثر على جميع السكان. وازدادت حالة التغذية سوءاً بفعل الانهيار المأساوي لنظام الرعاية الصحية والبنية التحتية الخاصة بها؛ مصحوبة بتفشي مرض الكوليرا وغيرها من الأوبئة التي أثّرت على محافظات عديدة عام 2016 وما زالت تؤثر عليها عام 2017.

أزمة ممتدة عبر الحدود: الحرب السورية

بعد أن كان الاقتصاد في الماضي اقتصاداً ناشطاً متوسط الدخل، بات 85 في المائة من السكان يعيشون اليوم في حالة من الفقر، وفي عام 2016. وأشارت التقديرات إلى أن 6.7 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد ويحتاجون إلى مساعدة إنسانية طارئة، في حين ارتفعت مستويات سوء التغذية الحاد في معظم المناطق، كما أن ربع الأطفال دون الخامسة من عمرهم والنساء البالغات تقريباً مصابون بفقر الدم.

واستتبع ست سنوات من النزاع الطويلة آثار مدمّرة على الاقتصاد والبنية التحتية. واليوم أصبح الإنتاج الزراعي منخفضا في البلد، حيث لا يستطيع نحو نصف السكان تلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية. ولم تستتبع سنوات النزاع الطويلة آثار مدمّرة تراكمية على الاقتصاد والبنية التحتية، والإنتاج الزراعي، والنظم الغذائية والمؤسسات الاجتماعية فحسب، إنما أيضاً وبصورة عامة على قدرة الأشخاص على التأقلم. ويستمر منذ عام 2011 نزوح السوريين الساعين إلى الهروب من النزاع، ولا سيما باتجاه البلدان المجاورة. وبحلول عام 2016 ، قُدّر أن 4.8 مليون لاجئ هربوا إلى تركيا ، ولبنان، والأردن، والعراق، ومصر.

لبنان: تداعيات أزمة ممتدة

خلّفت الأزمة في الجمهورية العربية السورية آثاراً كبيرة على لبنان الذي شهد تباطؤاً اقتصادياً وضرورة التعامل مع وصول أكثر من 1.5 مليون لاجئ – أي ربع تعداده السكاني. فالتباطؤ الاقتصادي هو نتيجة تزايد في انعدام الأمن، وتعطّل الطرقات التجارية، وتراجع الثقة في صفوف المستثمرين والمستهلكين. كذلك انخفضت الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 25 في المائة بين عامي 2013 و 2014 ، وهبطت السياحة بنسبة 60 في المائة منذ بداية الأزمة.

وتخلّف الأزمة آثاراً غير متناسبة على الأسر الضعيفة أصلاً، ليس فقط بسبب ازدياد التنافس ع ى العمالة غير الماهرة والخدمات العامة المثقلة إنما أيضاً لأن نصف اللاجئين يعيشون في الثلث الأشد فقراً من الأحياء. فبات الأشخاص الفقراء أصلاً أكثر فقراً، ومن المتوقع أن تظهر آثار سلبية على الأمن الغذائي والتغذية.

شرق أفريقيا: صراع يدمر النظم التقليدية

بدّلت النزاعات الطويلة الأمد والمتكررة أنماط الرعي لدى الرعاة في إثيوبيا وكينيا، وأوغندا، مما أجبر المجتمعات المحلية على تركيز الثروة الحيوانية على الأراضي المخفضة بسبب محدودية الحركة. وقد تأثرت النظم التقليدية نتيجة لذلك.

ووثّقت منظمة الأغذية والزراعة تأثير النزاعات على انهيار النظم التقليدية، وكيف أدى ذلك إلى تدهور البيئة وقوّض استمرار سبل كسب العيش الرعوية في الأجل الطويل.

في كينيا، يؤدي تركيز الماشية في مناطق محدودة إلى الرعي الجائر وتدهور عام للبيئة. وأُرغم الرعويون على الاستقرار في مناطق مركّزة، الأمر الذي أدّى إلى الرعي الجائر والتدهور الإيكولوجي. وهذا يقويض سبل كسب عيشهم وقدرة المجتمعات المحلية على التأقلم مع موجات الجفاف وغيرها من الكوارث المتصلة بالمناخ، بينما المستوطنات المكتظة تسبّب خسارة غطاء التربة بفعل التآكل. وتعاني المجتمعات المحلية أيضاً من ندرة المياه واستخدامها المفرط نظراً للأعداد الكبيرة من الأشخاص والماشية، ويتفاقم هذا التدهور البيئي بفعل قطع الأشجار والأعشاب لأغراض البناء، وجمع حطب للوقود، وإحراق الفحم لاستخدامه المنزلي وبيعه بهدف استدرار الدخل.

وفي نفس الحين وعبر الحدود في إثيوبيا، فإن النزاعات المتقطعة بين قبائل بورانا، وقرّي وقوجي وكونسو قد أصبحت شائعةً. ورغم وقوع هذه النزاعات على مستويات محلية، فقد شملت ديناميكية قانونية، وسياسية واقتصادية معقدة امتدّت إلى الأبعاد الوطنية وحتى الإقليمية، وشملت المجتمعات المحلية وحلفائها في مناطق أخرى في إثيوبيا وكينيا.

كولومبيا: النزوح والتجريد وعدم المساواة في الحصول على الموارد الطبيعية

كان ذلك نتيجة استرتيجيات منتظمة من الطرد والتجريد اعتمدتها المجموعات المسلّحة في سعيها إلى مصادرة الأراضي الريفية، والسيطرة على موارد طبيعية وأراضٍ قيّمة، والحصول على الإيجارات المرتبطة بهذه الموارد. وقد ارتبطت أيضاً استراتيجيات التهجير القسري باقتصاد تهريب المخدرات، الذي يتطلّب السيطرة على الطرقات والأراضي لزراعة المحاصيل غير المشروعة. لكن نطاق التهجير القسري وحجمه ليس الأثر الرئيسي الوحيد للنزاعات المسلحة، بل هو أيضاً المصدر الرئيسي لانعدام الأمن الغذائي. وقد طالت هذه الآثار بشكل أساسي الفئات السكانية الأشد فقراً والأكثر ضعفاً، بما في ذلك المجتمعات الإثنية.

كانت التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للنزاع في كولومبيا قصيرة وطويلة الأجل من حيث تأثيرها. وقد أدّت استراتيجيات المتمرّدين في الطرد والتجريد أولاً إلى تهجير المزارعين والأسر الريفية، في حين ركّزت ملكية الأراضي بين أيادٍ قليلة، وحثّت على تغييرات دائمة في استخدام الأراضي والإنتاج الزراعي) من محاصيل الأغذية الأساسية إلى محاصيل للاستخدام الصناعي، بما في ذلك زيت النخيل وأوراق الكاكاو(. وقد أثّر ذلك على الفقر وانعدام المساواة، وعلى إنتاج الأغذية والحصول عليها وفي الفترة الممتدة من عام 1980 إلى عام 2010 ، يُقدّر أنه تمّ التخلّ عن 6.6 مليون هكتار من الأراضي نتيجة التهجير. ولكان هذا الرقم قد ارتفع أكثر لو شُملت أراضي المجتمعات الإثنية. وقد تمحور التجريد بصورة خاصة حول حيازات صغيرة ومزارع، خاصة وأنه يؤثر على الأسر الزراعية الأشد فقراً والأكثر ضعفاً. وقد أصبح من الأساسي بالنسبة إلى كولومبيا التعويض عن الخسائر المادية التي تكبدها السكان المهجرون والريفيون نتيجة النزاع، بما في ذلك من خلال الحثّ على إعادة الأراضي والمساكن، وتحسين الحصول على رأس المال العامل والسلع الرأسمالية.

الاستثمار في السلام والأمن الغذائي في شمال أوغندا

يظهر النهوض ما بعد انتهاء النزاع في شمال أوغندا كيفية مساهمة الاستثمارات المستدامة في السلام والنهوض في تحقيق تحسينات كبيرة في الأمن الغذائي والتغذية في منطقة نزاع سابقة. وقد أدّى عقدان من النزاع بين القوات الحكومية وجيش الربّ للمقاومة في شمال أوغندا إلى حركات نزوح ضخمة ترافقت بزيادة كبيرة في الفقر وانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وبخاصة في منطقة أشولي الزراعية سابقاً. وإذ أُجبر شعب الأشولي – الذي كان يتمتع في السابق بمستوى عالٍ من الأمن الغذائي -على العيش في مخيّمات، أصبح يعتمد بشكل كامل تقريباً على المساعدة الغذائية الدولية.

ومنذ انتهاء النزاع، لقد تحسن قطاع الأمن الغذائي والتغذية في شمال أوغندا بشكل كبير، وبحلول عام 2011 لم تطلب مجموعة أشولي أي مساعدة غذائية أخرى (التي كانت قد قدمت في السابق ووصلت إلى ذروة قدرها 1.9 مليون شخص في عام 2007). وفي جميع أرجاء أوغندا، انخفض هزال الأطفال بنسبة الثلث تقريبا، وانخفضت نسبة سكان البلد الذين يعيشون تحت خط الفقر بأكثر من 10 في المائة بين عامي 2005 و 2012.

وقد حدّدت حكومة أوغندا الزراعة كأولوية لعملية النهوض بعد انتهاء النزاع. ووفّرت منظمات عديدة الدعم للنازحين داخلياً والمقاتلين القدامى من أجل استعادة سبل كسب عيشهم من خلال توفير المدخلات لهم، مثل البذور والأدوات، وتجديد الثروة الحيوانية، وبرامج النقد والأغذية مقابل العمل، ونُفذت سياسات وطنية لتعزيز الأمن الغذائي والتغذية.