العلامة باب ولد أحمد بيب العلوي

سبت, 08/26/2017 - 08:06

استقر إدوعل في (تبلبالت) شمال تيندوف في القرون الإسلامية الأولى، ثم انتقلوا إلى (آبير) وتوطنوه حتى زادوا على أربعين قبيلة مابين صميم وحليف، وكانوا يقتلون من قتل قصاصا حتى قتل زعيمهم يحيى قتيلا فلم يقتلوه لمكانته فيهم وإنما طردوه، فذهب إلى شنقيط وهي إذ ذاك بيوت قليلة فاشترك مع محمد قل جد الأقلال وأعمر يبني جد آمكاريج في بنائها، ولم تمض أربعون سنة على ابتداء بنائها حتى ازدهر عمرانها وتكاثر سكانها وآلت أبير إلى خراب.

وقد بُنيَ في شنقيط أحد عشر مسجدا عمرت بالصلاة وقراءة القرآن يوميا وقراءة صحيح البخاري وكتاب الشفاء للقاضي عياض في فترات معينة من السنة، وكانت تقام فيها حلقات لمدح الرسول صلى الله عليه وسلم في شهري صفر و ربيع الأول احتفالا بذكرى المولد النبوي، وبقيت دولتهم بشنقيط دولة دين ودنيا ثلاثا وثمانين سنة مدة حياة الشيخ سيد أحمد بن الوافي، ولما توفي في القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي وقعت الحرب بينهم واعتزلها من اعتزلها، وكان من نتائج هذه الحرب خروج إدوعل البيض إلى تگانت وبناؤهم مدينة تجگجة.
وخرج القاضي عبد الله المتوفي سنة 1692م إلى أرض الگبلة والتحق به بعض أقاربه واشترك ثلاثون منهم في حرب "شربب" استشهد خمسة عشر رجلا من بينهم سيدي لحسن ابن القاضي عبد الله الذي كان الإمام ناصر الدين قد عينه أمينا للزكاة.
والقاضي عبد الله من أكابر العلماء سافر للحج ومر بمصر أثناء سفره والتقى بعلي الأجهوري وتلمذيه عبد الباقي والخرشي وخلال مذاكرتهم في الفقه نبه القاضي عبد الله التلميذين على فرع خارج من نسختهما من شرح الحطاب ولما بحثوا عنه في نسخة المؤلف وجدوه فيها فتعجبا من سعة علمه.

وبعد أداء عبد الله لفريضة الحج عاد إلى شنقيط بمكتبة كبيرة تقدر بستمائة مؤلف وواصل بث العلم في مدرسته بها، ولما وقعت الحرب خلف على المدرسة ابنه محم وسافر إلى أرض الگبلة وأخذ يدرس في قبائل (تشمشه) يقول العلامة محنض باب ولد اعبيد:
فعمم به في إدوعل وخصصن:: بني شيخنا قاضي القضاة تجد مرعا
فجدهم أستاذ تاشمش كلهم :: قد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا

وبعد أن مكث في تشمشه مدة انتقل إلى قبيلة (إداب لحسن) وبقي فيهم فترة ينشر العلم فكافؤوه بمجموعة من الآبار (لعگل) في مساحات أرضية اتخذتها القبيلة في الگبلة مستقرا لها وهي مجموعة من الموارد المائية تقع في شريط أرضي يمتد من لميلحة والمزمزمة والنباغية والطويلة وتنبيعل ولخواوية وتذررت واجّراري والعين وببكر وبير لحمار وبارين وآمكين وبواعقال.

وقد كان العلويون ينتقلون بين هذه الأماكن طلبا للمرعى واتقاء للحر، وغالبا ما ينزلون في فصل الشتاء منطقة آتكور حيث يوجد القتاد فيجنون منه الصمغ، وبعد انسلاخ الشتاء يرحلون إلى الجنوب وينزلون في أنحاء بحيرة اركيز اتقاء للحر وابتغاء الزراعة، وفي فصل الخريف ينتقلون شمالا هربا من البعوض وينزلون بمنطقة (لعگل) الأقل حرارة وحيث يوجد شجر البشام والأعشاب المفيدة للحيوانات.
يقول العلامة محمد فال بن باب (اباه):
ألا ليت شعري هل لي الدهر عودة :: لحي لدى البطحاء أو ربوة الصدر
فيوم بجنب الواد بعض وبعضهم :: بجنبة إحدى السدر أو جنب ذي السدر
أقاموا بها حتى إذا انسلخ الشتا :: توقوا سموم القيظ في حافة النهر

في هذه المرابع ولد العلامة النحرير باب بن أحمد بيب بن عثمان بن سيد امحمد بن عبد الرحمن بن الطالب محم بن حبيب بن محم بن أبيج بن هندن الله بن يحي الجد الجامع لجل إدوعلي الگبلة، قال عنه العلامة سيدي العربي بن السائح الرباطي في ترجمة ابنه التجاني بن باب في البغية: 
"واسم والده بابا حسبما تقدم مصرحا به في النظم. وكان عالما ناسكا فاضلا، مشارا إليه في بلده وجيله، ملحوظا بعين التعظيم في معشره وقبيله، وأخبرني ولده الناظم رحمه الله، أن له شرحا للتحفة العاصمية، وتكملة التكملة للديباج، انتهى فيها إلى ذكر أهل القرن الثاني عشر، فترجم للشيخ التاودي ابن سودة، والشيخ أبا حفص الفاسي وغيرهما".

وقال عنه ابن الأمين في الوسيط : 
"باب بن أحمد بيب بن عثمان بن سيدي محمد بن عبد الرحمن بن الطالب، ويقال له الطالب محم، يجتمع فيه مع الذين قبله. هو العالم الأوحد الذي أغار ذكره وأنجد".

ولد باب عام 1794م لوالده أحمد بيبَ و أمه آمنة بنت سيدي، درس على والده وكان ذكيا نابها نبغ حدثا و يرجع البعض علمه الى أمور هي أقرب للإلهام وخرق العادة، فكان يناظر العلماء وعمره ثلاث عشرة سنة وكان الناس يتعجبون منه وتكاد المصادر تجمع على أنه نبغ في علوم عصره دون شيخ، وإن كان درس ربع ألفية ابن مالك على العلامة يوسف بن المختار، وجالس العلامة سيدي بن احمدان، ولعل مصدر علمه الذي لا خلاف فيه هو النظر في الكتب فقد ورد أنه كان مشغوفا بالكتب يشتريها ويستعيرها للنظر والاستنساخ.
وقد اهتم بشراء الكتب بأي ثمن يطلبه صاحبها واستجلب النساخ من الخارج فما مرت بضع سنين عليه إلا ولديه مكتبة كبيرة مكنته من استهلاك وسائل العلم، وكان باب قد عكف على الدراسة والتحصيل في هذه المكتبة واشتغل بتحرير المسائل الفقهية يقيدها بالنظم حينا وبالتأليف حينا آخر حتى اشتهر بين الناس بتفوقه العلمي فرحل إليه طلاب العلم وأصحاب النوازل من بعيد وأسندت إليه مهمات التدريس والافتاء والقضاء في المنطقة. 
ودرس عليه كثير من الطلاب منهم عبد الله الأحول الحسني الذي لازمه مدة طويلة لطلب العلم، والشاعر محمدو ولد محمدي ومحمد مولود وألفغ بن سيد، كما وفد إلى مدرسته طلاب من بلاد الحوض، وكان يدرس علوم اللغة والقرآن والحديث والفقه والتاريخ والسيرة والأنساب، ولم يمنعه الانشغال بالقضاء والإفتاء وما يتطلبه ذلك من مقابلة أصحاب المشكلات بالإضافة إلى بحث النوازل الفقهية وتحريرها من التدريس.
كما كان عالما عاملا غيورا على الدين مصلحا، فقد حارب ظاهرة التيمم مؤكدا وجوب الطهارة المائية وكتب في ذلك قصيدة وتأليفا ونظما:
هذا فإني أرى أن التطهر لا :: يكون إلا بماء حيث يوجد ما
ومن تيمم لا يجدي تيممه :: وقد أتى بذنوب لم تكن لمما

كما دعا إلى إحياء فريضة الحج التي أوشكت أن تتعطل لصعوبة الطريق فقال:
طوبى لقوم يرون الحج مفترضا ::عليهم ولهم في أمره شغل 
ناديت بالحج لو ناديت مستمعا :: يا أهل ورد صلاة الفاتح احتفلوا
سيروا ولا تتوانوا في سفاركم :: فالحج قد أمنت من دونه السبل

وانتبه باب إلى سوء الأوضاع في البلاد وشيوع الظلم والفساد والسيبة ودعا الى إحياء فريضة الجهاد امتثالا لأوامر الله وتأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته:
من لي بقوم إذا نال دينهم :: ممن يعاديه توهين وإذلال 
قاموا إليه ليحموه كأنهم :: مزعفرات لها بالغيل أشبال 
كمن مضى من تشمش الأولين فقد ::حامى عن الدين من تاشمشَ أبطال 
وكان في هذه الدعوة متجاوبا مع مجموعة من العلماء مثل امحمد بن الطلبة ومحنض باب بن اعبيد والشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا واجدود بن اكتوشن والشيخ محمد المامي وألفغ بن سيد أحمد العلوي.

كما ندد بالممارسات الجائرة ضد المرأة فكانت المظالم والنوازل ترفع إليه ليبين موقف الشرع منها، وقد ثارت ثائرته حينما أبلغ عن امرأة حلق زوجها ضفيرة من شعر رأسها، فندد بهذه العملية واعتبرها من أبشع أنواع الأضرار الذي يجعل للمرأة حق تطليق نفسها، وحرمها بذلك على زوجها، بينما رأى بعض العلماء أن العملية لا تتجاوز تأديب الزوج المباح، لكن باب تصدى لهؤلاء العلماء واستخرج لهم من المراجع الفقهية ما يؤكد موقفه كما جمع لهم من فتاوى علماء البلد مثل ذلك وقدم الجميع في تأليف ونظم:
ويخبر النساء أن الضررا :: بهن مما في الطلاق خيرا 
إلا فتاة شأنها التمثيل :: فهو ببينونتها كفيل 
من لم تطلق ويحها بمُثله ::هل لا بكت بكاء ذات عضله

أخذ باب ود التيجانية عن الشيخ محمد الحافظ و بعده صحب محمدي بن سيد عبد الله وبعده لازم سيدي مولود فال الذي أجازه في الطريقة وكانت اتصالاته وثيقة بكبار التجانيين الآخرين مثل يوسف بن المختار ومحمذن بن ببان ومحنض باب الديماني وألفغ بن سيدي أحمد وغيرهم.

كان باب حكما في القضايا فيصلا في النزاعات يقول الشيخ محمد المامي:
كحرمة أوكبابَ بني علي :: فإني فيهما في الداخلينا 
ويقول سيدي عبد الله بن احمد دامالحسني:
إلى النجد باب المجد والعلم والتقى :: وباب القضا عند القضا وفتى الفتوى 
ويقول محمذن بن سيد أحمد المالكي:
أيا من إليه المشكلات تؤو ب :: ومن هو إن ضل الهداة مصيب 
فلا تخش في التبيين لومة لائم :: وأبد الخفا كي يطمئن مريب 
فهذي مطايا المشكلات تؤمه :: من الغرب حدبا سيرهن دبيب

وكانت لباب مشاركة فعالة في النقاشات العلمية والنوازل جعلته يشتهر بين الناس ويسندون إليه مهمات القضاء والافتاء، ومن المسائل التي قارع فيها العلماء مسألة الحبس، وسبب الخلاف في هذه المسألة أن ألمين بن الحاج حبس على امرأة من أخواله (إديقب) ولم يعقبه، ولما ماتت المرأة رجع الحبس إلى ابنته (آني) لأنه غير معقب، وهي إذ ذاك أقرب الناس من الحبس فلما توفيت (آني) اختلف علماء البلاد في من ينتقل إليه ذلك الحبس، فقال حرمه بن عبد الجليل بإبقائه عند أبناء (آني) ووافقه ادييج بن عبد الله الكمليلي، وقال باب ومحمذن بن ببانه ومحنض باب بن اعبيد وفتى بن سيدين إنه ينتقل الى أقرب الناس من المحبس، ومصدرهم جميعا في القولين هو كلام أبو عمر بن عبد البر في كتابه الكافي، وملخصه: 
(من حبس على رجل بعينه ولم يعقبه وانقرض فإنه يرجع لأقرب الناس من المحبس وفقا لقول المصريين من أصحاب مالك)
ففهم حرمه من كلمة "انقرض" الموت مع عدم بقاء الذرية، وفهم باب وجماعته من كلمة "انقرض" الموت فقط، ورجعوا للمصادر اللغوية لحل المشكلة فوجدوا في القاموس في مادة انقرض:
انقرضوا درجوا كلهم وفي "درج" درج القوم: انقرضوا كاندرجوا، فاستخرج حرمه من هذا أن معنى الإنقراض هو الدروج وهو انقطاع النسل فقال:
ومعنى دروج الدارجين انقراضهم :: وقد درج المولى إذا لم يخلف
كذا قال مجد الدين لله دره :: ودركم من صفو قاموسه اغرفوا
وإن انقطاعا لانقراض مرادف :: فكلا بكل إن تشأ ذاك عرّفوا

و وافق ادييج حرمه في رأيه وطلب من العالمين باب ومحنض باب موافقته قائلا:
يا صاحبيّ قفا بالمنهل الصافي :: وسلما الحكم للقاضي بانصاف 
ووافقا حرمه في ما قال ويحكما ::فإن شيخكما أدرى بالأوقاف
فحجة الشيخ في بهرام ناهضة ::لو كان يكفيكما ما كان في الكافي

أما جماعة باب فإنها ترى أن الاتقراض بمعنى الموت ولا يستلزم عدم بقاء الذرية، وأن الدروج فيه المعنيان، ومما يحتجون به كلام في المدونة ونصه:
"انقرض وبقي عقبه" وما ورد في كتب الفقه كقولهم: "إذا انقرض الشهود" الشهود لا عقب لهم، وهذا ما بينه محنض باب في رده على ادييج:
إذا تأملت مكتوبي بانصاف :: ألفيت فيه زلالا عذبه صاف
هو المصيب لصوب الفهم يعضده :: نقل الشيوخ بنص واضح شاف
رووه عن مالك نصا ووافقه :: نص الإمام بن عبد البر في الكافي
دع عنك دعوى تقاييد تقول بها :: شيوخنا بدليل وجهه خاف 
وما أدعوه من تقييد يمنعه :: إلا تراه بلا شرط في الأوقاف 
والأصل في القيد نفي والمقيد له :: لم نلفه بعد بحث شامل واف 
والانقراض الذي يحجوه حجته:: أتى في الأم لأم نسلها ضاف 
وإن تفهمت في القاموس فانقرضوا :: ماتوا وليس لنسل موتهم ناف
أما الدروج ففيه المعنيان كما :: ذا في الصحاح بإيضاح له شاف 
يقال للقوم إن ماتوا وواحدهم :: إن مات أو لم يخلف نسأل الكافي

وقال باب ردا على ادييج بن عبد الله الكمليلي:
أرشدتنا للهدى والله يعلم أن :: نا قائلون بحق غير سفساف 
ودون ما قلته في الوقف سوف فلا :: خوف التنائف تعيي كل سواف 
فحجتيّ وصحبي غير داحضة :: من نص برهام والتوضيح والكافي 
فمالك إن تصف عما يقول فإني :: لست عن قوله يوما بصياف 
إني أوافقه حقا وأتبعه :: هل مهتد ناعل كالحائر الحافي
بل أنت رد ما وردناه على قرب :: واشرب فهذا زلال بارد صاف 
صدعت بالحق لكن من يقله لكم :: يدييج يوطأ بأ خفاف وإظلاف 
فالحق أمسى فوا لهفا و وا حزنا :: مثل الديار التي يسفو بها السافي

ومن تلك المسائل مسألة العضو المألوم:
يرى باب أن العضو المألوم يمسح عليه مثل ما يمسح على الجرح والجبيرة، وينطلق في ذلك من أن العضو المألوم أخف عادة من الجرح، ولذلك يكون مسحه أولى من مسح غيره، وخالفه اجدود بن اكتوشن الذي يرى أن صاحب العضو المألوم إذا كان الغسل يضره ينتقل إلى التيمم ويرى أن هذا هو ما في النصوص وأن غيره لا نص فيه، ووقعت بين الرجلين مشاعرة قال باب فيها:
ومسحه ما سوى العضوين ثم على :: جبائر وعصابات يشدهما 
فكيف يعذر من لم يشك جارحة :: وليس يعذر ذا جرح يسيل دما
والضرب أعلى من التأفيف يمنعه :: لقول ربي تعالى لا تقل لهما
قال ابن عَرْفة بحرُ العلم يؤخذ من :: مسح الجراحات مسح الرأس إن سقما

ورد عليه اجدود بقصيدة قال فيها:
قالت سليمى وفي أقوالها عجب :: دع التيمم إن المسح قد حتما 
أما سمعت تواليفا ترشحه :: بها التيمم بعد الرخصة انهزما 
أأترك المنهج الحق الذي درجت :: عليه أسلافنا الماضون فالتزما
أم كيف يمسح من لا جرح يؤلمه :: ولا جبيرة بالأعضا ولا ورما 
وإن تسل نصه تلفيه منعدما :: وكيف يفعله من نصه انعدما
عهدي بيوسف ليس المسح شرعته :: ونجل بابان لم يمسح وما أثما
من يتبع النص معنيا بشهرته :: ناج ومن قاس يلق الخسر والندما

وكتب باب في الرد تأليفا ونظما بلغ مائة وخمسة وستين بيتا.

ومنها مسألة بدء العدة لمن يحكم القاضي بطلاقها من زوجها ببينة اختلف باب مع محنض باب في حكم هذه المسألة فقال باب: إن القاضي إذا حكم بالطلاق في حالة إنكار الزوج له اعتمادا على بينة ما، تكون العدة من تاريخ البينة.
بينما شهر محنض باب بدأها من تاريخ الحكم وقد ألف باب تأليفا في المسألة.

ومنها مسألة الهيشة، فبعد معركة "لميلح" سنة 1831 بين قبيلتي إدوعل وإدابلحسن اتفقت القبيلتان على التحاكم إلى الشرع، وحكّموا بينهم القاضي محنض باب فرأى أن يقتل أربعة من إدوعل بأربعة من إدابلحسن قتلوا في المعركة المذكورة، وكان باب حينها غائبا فلما حضر قال لمحنض باب: إن مثل هذا لا قصاص فيه، فقال محنض باب: هذا كلام لايوجد في كتاب.
فقال باب: بل لم يخل منه كتاب.
قال محنض باب: هذا القاموس وهو يدخل في عموم كتاب، فتناول باب القاموس وفتح له عن الهيشة: وهي الفتنة وأم حبين وليس في الهيشات قود أي في القتيل في الفتنة لا يدري قاتله.

ومن تلك المسائل نازلة محمذن بن سيد أحمد المالكي الذي قتل رجلا، وحكم القاضي محنض باب بالقتل قصاصا ورد باب الحكم بحجة أن محمد بن سيد أحمد لم يتعمد القتل لأنه نزع فأس القدوم وضربه بعمودها وأن موسى عليه السلام ضرب رجلا ضربة قضت عليه كما ورد في القرآن {فوكزه موسى فقضى عليه} وموسى لم يرد القتل بالوكزة وإنما حصل القتل بسببها لذلك لم يقل الله سبحانه وتعالى “وقتله موسى”.
وحول هذه المسألة كان تأليفه القتل بالمثقل.

ومنها مسألة المحلوقة ، وسبب هذه المشكلة أن رجلا حلق ضفيرة من شعر زوجته فحكم باب بطلاقها عليه لإضراره بها، ورد حكمه اجدود وابن اغلان اللذان رأيا أن ذلك يمكن أن يدخل في نطاق التأديب المباح، فكتب باب نظما يبلغ مائة وسبعين بيتا يبين فيه أدلة حكمه ومنه:
نعم تطلق به لما صدر :: من زوجها حينئذ من الضرر
حسبما دل عليه المختصر :: وغيره من كل نص مستطر
وقد أتى نفي الضرار والضرر :: عن النبي المصطفى خير البشر
وابن هلال وهو ممن برعا :: وإن في كلامه لمقنعا
قال عداء الزوج بالحلاق :: من موجب الطلاق والفراق
ألف فيه العالم المجتهد :: مَن فضله وعلمه لا يجحد
عبد الإله نجل ابراهيما :: من لاح برق علمه وشيما
من لا ترى في علماء القبلة :: إلى سجلماسَ وفاس مثله
على جميع العلماء قد علا :: وكان طلاع الثنايا ابن جلا
وسَمَه بالحجة المطروقه :: إلى طلاق الزوجة المحلوقه

ومنها فتوى في ردة امرأة استقلت الإخلاص، فقد أخبر بعض شيوخ البلاد – من معاصري باب – زوجته بأنه زار والدها وقرأ له سورة الإخلاص مرة فقالت له هذا قليل؛ فخشى الشيخ أن يكون في كلمتها ارتداد يقطع عصمتها فعرض كلمتها على العلماء فأفتى الكثير منهم بارتدادها، لكن باب أفتى بعدم ارتدادها مستندا لما ورد في صحيح البخاري أن رجلا سمع آخر يقرأ "قل هو الله أحد" يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إنها لتعدل ثلث القرآن.
فاستنتج باب من عدم تكفير النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي يتقال السورة عدم ارتداد المرأة.

كان لباب اطلاع واسع على الكتب الفقهية وكان يرجع في فتاويه إلى المدونة لسحنون والتهذيب للبرادعي، ومختصر ابن الحاجب الفرعي، وشرحه التوضيح لضياء الدين خليل ابن اسحاق، ومختصر ابن عرفة، ومختصر خليل، وشروحه لبهرام (أول شارح له) وعلي الأجهوري والشبرخيتي وعبد الباقي الزرقاني وحاشية البناني على الزرقاني، والبيان لابن رشد القرطبي (الجد)، والكافي لابن عبد البر النمري، وتبصرة الحكام لابن فرحون، وتحفة ابن عاصم، وقواعد القرافي، والجواهر الثمينة لمذهب عالم المدينة لابن شاس، ومؤلفات ابن هلال وابن يونس.
وكان لباب فهم خارق وكانت مادته الفقهية غزيرة، وكان يبحث المسائل بحثا وافيا ويرجع فيها إلى مراجع متعددة يقارن بين كلام العلماء فيها ويستنتج منه ما يراه أقوى دليلا بالاعتماد على فهمه الثاقب، وكان قد أشار الى هذا الفهم بقوله:
وإذا المسائل أعرضت وتمنعت :: وأبت مشاكلها على الحذاق 
أعملت سيف الفكر نحو عويصها :: فحنت علي خواضع الأعناق 
فتبوح لي بسرائر مكتومة :: حتى عن الأسطار والأوراق 
وثقة منه بهذا الفهم وهذه المعلومات تصدى لشرح كلام من باب الرهن في مختصر الشيخ خليل لأنه كان يرى أن الكثير من الشراح عاجز عن فهمه فقال في مقدمة الشرح:
"هذا وإني لما رأيت كثيرا من الناس ممن ينتسب للفقه والفهم لم يفهموا قول الشيخ خليل في باب الرهن في مبحث الاستعارة للرهنية "وخالف وهل مطلقا أو إذا أقر المستعير لمصيره وخالف المرتهن ولم يكلف المعبر تأويلان"
حتى أن كثيرا منهم يسمى هذه الكلمات السطر وسموها سطرا لأنهم لا يفهمون معنى لها أي السطر الذي لا يفهم بفهم وبعض أهل الأطرار لم يطرروها وبعضهم طررها من كلام الشروح حكاية للألفاظ من غير فهم لمدلولها أردت أن أضع عليها تقييدا يتضح به معناها ويحسر النقاب عن معناها وسميته "صقل الذهن في قول خليل وضمن إن خالف في باب الرهن".

ومن مؤلفات باب الفقهية الاخرى التي تدل علو كعبه: 
شرح تحفة بن عاصم فيما يقع بين اثنين
والروض المخضل في أفعال السفيه المهمل
وتأليف في المسح على العضو المألوف، ونظم في نفس الموضوع
وتأليف في القتل بالمثقل، ونظم في المحلوقة، وتأليف في العدة هل هي من تاريخ البينة أم من تاريخ الحكم
وفتوى في إلحاق الولد.

وكان باب يعتد بعلمه لكنه مع ذلك كان كثير الرجوع إلى الحق حينما تظهر له مخالفته رأيه قال أحمد بن الأمين في ترجمته له في الوسيط:
" وقد سمعت من بعض الشيوخ أنه ذاكره في مسألة فشدد صاحب الترجمة النكير عليه فلما أمعن النظر في المسألة علم أنه مخطئ فترك الناس حتى فرغوا من الصلاة في المسجد فقال لا يخرج أحد فجعل يشرح لهم خطاه وإصابة من خالفه".

وكان باب شاعرا وبرع في الشعر حدثا لكن العلوم شغلته عن الشعر، وكان الأحول الحسني يعرض عليه شعره، وكان محمدو ولد محمدي يعرض عليه شعره ولا يجيزه حتى قال قصيدته التي يرثى به محمد الدنبج التندغي والتي مطلعها:
لا عذر للقلب أن يقن السلو ولا :: للعين أن تبق في آماقها بللا
فاستحسنها باب وأخذ يزحف من مجلسه استحسانا لها.
ومن شعر باب:
ألـوى بصـبرك لا عجُ الأشـواقِ :: إن الأحـبّة آذنوا بفراق
وله ديوان شعري غني.

توفي باب رحمه الله سنة 1276هـ - 1859م.

كامل الود

من صفحة المدون العملاق سيد محمد